البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٣ - الإسلام بين التزمّت والتحلل من القيود الشرعية
٥ ـ حكى ابن وضاح قال : ثوَّب المؤذّن بالمدينة في زمان مالك . فأرسل إليه مالك فجاءه ، فقال له مالك : ما هذا الذي تفعل؟ فقال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا . فقال له مالك : لا تفعل ، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم يكن فيه ، قد كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا ، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه ، فكفّ المؤذّن عن ذلك وأقام زماناً ، ثمّ إنّه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر ، فأرسل إليه مالك ، فقال له : ما الذي تفعل؟ قال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر ، فقال له : ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن؟
فقال : إنّما نهيتني عن التثويب . فقال له : لا تفعل . فكفّ زماناً . ثمّ جعل يضرب الأبواب ، فأرسل إليه مالك .
فقال : ما هذا الذي تفعل؟ فقال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر ، فقال له مالك : لا تفعل ، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه[ ١ ] .
ومراده من التثويب هو ما يقوله المؤذن بين الأذان والإقامة «قد قامت الصلاة» أو «حيّ على الصلاة» أو «حيّ على الفلاح» أو قوله «الصلاة يرحمكم الله» .
والعجب أنّ الشاطبي مع إمامته في الفقه ربّما يتأثّر أحياناً بهذه الكلمات فيقول : فتأمّل كيف منع مالك من إحداث أمر يُخف شأنه عند الناظر فيه ببادي الرأي ، وجعلَه أمراً محدثاً ، وقد قال في التثويب أنّه ضلال وأنّه بيّن; لأنّ كلّ محدثة بدعة ،وكلّ بدعة ضلالة ، ولم يسامح المؤذّن في التنحنح ولا في ضرب الأبواب; لأنّ ذلك جدير بأنّ يتّخذ سنّة ، كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن مهدي خوفاً من أن يكون حدثاً أحدثه .
[١] الاعتصام ٢ : ٦٩ .