البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩ - ١ ـ التدخّل في الدين بزيادة أو نقيصة
من مجموع الخطابات الواردة في الأدلّة . وإليك بيان ودراسة تلك الأدلّة تفصيلا :
١ ـ تضافرت الآيات على ذمّ عمل المشركين حينما كانوا يقسمون رزق الله إلى ما هو حلال وحرام فجاء الوحي مندِّداً بقوله : ( قُلْ ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)[ ١ ] وفي آية أُخرى يعدّ عملهم افتراءً على الله كما يقول : ( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذَا حَلاَلٌ وَهذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ)[ ٢ ] ومن المعلوم أنّ المشركين كانوا ينسبون الحكمين إلى الله سبحانه ، وأنّه سبحانه قد جعل منه حلالا وحراماً ، فكان عملهم بدعة في الدين .
٢ ـ وقفت في التمهيد ، أنّه سبحانه يصف من لم يحكم بما أنزل الله ، بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً ومن المعلوم أنّ أحبار اليهود كانوا يحرّفون الكتاب فيصفون ما لم يحكم به الله ، بكونه حكم الله ، قال سبحانه : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)[ ٣ ] فقوله ( هذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ) صريح في أنّهم كانوا يتدخّلون في الشريعة الإلهية فيعرِّفون ما ليس من عند الله على أنّه من عند الله ، وهذا يؤكد بأنّ الموضوع في هذه الآية وأمثالها هو البدعة في الدين لا مطلقها .
٣ ـ ذمّ الله سبحانه الرهبان لابتداعهم ما لم يكتب عليهم ، قال سبحانه : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)[ ٤ ] ومعنى الآية أنّهم كانوا ينسبون الرهبانية إلى شريعة المسيح مدّعين بأنّه هو الذي شرع لهم ذلك العمل ، والقرآن يردّهم بقوله : ( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) .
٤ ـ أنّه سبحانه وصف أهل الكتاب بأنّهم اتّخذوا رهبانهم وأحبارهم أرباباً
[١] يونس : ٥٩ .
[٢] النحل : ١١٦ .
[٣] البقرة : ٧٩ .
[٤] الحديد : ٢٧ .