البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣ - ١ ـ المبالغة في التعبّد لله تعالى
وروى الترمذي قال : حدّثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، أنّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك ابن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحجّ ، فقال الضحاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر الله تعالى . فقال سعد : بئس ما قلت يا بن أخي! فقال الضحاك : فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك . فقال سعد : قد صنعها رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصنعناها معه . هذا حديث صحيح[ ١ ] .
وروى ابن إسحاق عن الزهري عن سالم قال : إنّي لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتّع بالعمرة الى الحجّ ، فقال ابن عمر : حسن جميل . قال : فإنّ أباك كان ينهى عنها . فقال : ويلك! فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأمر به ، أفبقول أبي آخذ ، أم بأمر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟! قم عنّي[ ٢ ] .
ولأجل ذلك كان هذا الصحابي يحرم بإحرام واحد للعمرة والحج ، مع أنّ النبيّ أمر الإحرام بإحرامين : الإحرام للعمرة ثمّ يتحلّل ويتمتّع بمحظورات الإحرام ثمّ يحرم للحج ، وما هذا إلاّ لزعم أنّ ترك التمتع بين العملين أكثر قربة إليه تعالى ، وقد برّر فتواه بعد الاعتراف بأنّ عمرة التمتّع سنّة رسول الله بقوله : ولكنّني أخشى أن يعرسوا بهنّ تحت الاراك ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجاً[ ٣ ] .
هذه بعض النماذج التي تعرّض لها التاريخ في شتّى المناسبات ، والجامع لذلك هو المبالغة في التعبّد لله ـ حسب زعمه ـ وهي ناشئة عن قلّة استيعاب المبتدع لما يجب أن يعرفه ، فانّ الله سبحانه أعرف بمصالح العباد ومفاسدهم ، وبأسباب السعادة
[١] الترمذي ، السنن ٣ : ١٨٥ ، كتاب الحج ، طـ دار الفكر ـ بيروت .
[٢] الجامع لأحكام القرآن ٢ : ٣٨٨ .
[٣] أحمد بن حنبل ، المسند ١ : ٤٩ .