البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠ - بدعة «ما لم يكن في القرون الثلاثة»
إبراهيم : وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار[ ١ ] .
إنّ الاحتجاج بهذه الرواية على أنّ الميزان في تمييز البدعة عن السنّة ، هو أنّ كلّ ما حدث في القرون الثلاثة الأُولى ليس ببدعة; وأمّا الحادث بعدها فهو بدعة; باطل بوجوه :
الأوّل : إنّ القرن في اللّغة هو النسل[ ٢ ] وهو الأُمّة بعد الأُمّة وبهذا المعنى استعمل في القرآن الكريم ، قال سبحانه : ( فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)[ ٣ ] وبما أنّ المتعارف في عمر كلّ نسل هو الستّون أو السبعون ، يكون المراد ، مجموع تلك السنين التي تتراوح بين ١٨٠ و ٢١٠ وأين هذا من تفسير الحديث بثلاثمائة سنة؟!
الثاني : على الرغم من اختلاف شرّاح الحديث في تفسير الرواية ، إلاّ أنّ جميعها لا يستفاد منها ما يتبنّاه الكاتب ، فبعض قال : إنّ المراد من القرن في قوله : «قرني» هو أصحابه ، ومن «الذين يلونهم» أبناءهم ومن «الثالث» أبناء أبنائهم .
وقال آخر : بأنّ قرنه ما بقيت عين رأته ، ومن الثاني ما بقيت عين رأت من رآه ، ثمّ كذلك .
وثالث قال : إنّ قرنه الصحابة ، والثاني التابعون ، والثالث تابعوهم[ ٤ ] .
وعلى كلّ تقدير تكون المدّة أقلّ من ثلاثة قرون ، حتى لو أخذنا بالقول الأخير الذي هو أعمّ الأقوال وأوسعها . فإنّ آخر من مات من الصحابة هو أبوالطفيل ، وقد اختلفوا في تاريخ وفاته على أقوال : فقيل : أنّه توفّي سنة ١٢٠ أو
[١] فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧ : ٦ باب فضائل أصحاب النبي ; صحيح مسلم بشرح النووي ٨ : ٨٤ ـ ٨٥ .
[٢] لسان العرب ١٣ : ٣٣٣ مادة «قران» .
[٣] الأنعام : ٦ .
[٤] صحيح مسلم ، شرح النووي ١٦ : ٨٥ .