البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٢ - بدعة «ما لم يكن في القرون الثلاثة»
٣ ـ كونهم خير القرون وذلك لتمسّكهم بأهداف الدين في مقام العمل وتطبيق الشريعة .
وأيّ واحد أُريد من هذه الملاكات; فالقرآن والسنّة والتاريخ القطعي لا يدعمه بل يكذبه ، وإليك البيان :
فإن كان الملاك هو العقائد الصحيحة والباطلة ، وأنّ المسلمين كانوا متمسّكين جملة واحدة بمعتقد واحد صحيح في القرون الثلاثة الأُولى ثمّ ظهرت رؤوس الشياطين ، ودبّت فيهم المناهج الكلاميّة الفاسدة ، ـ فإن كان الملاك هذا ـ فتاريخ الملل والنحل لا يؤيد ذلك بل ويكذّبه ، فانّ الخوارج ظهروا بين الثلاثين والأربعين من القرن الأوّل ، وكانت لهم ادّعاءات وشبهات وعقائد سخيفة خضّبوا في طريقها وجه الأرض ، ولم يتمّ القرن الأوّل إلاّ وظهرت المرجئة ، الذين دعوا المجتمع الإسلامي إلى التحلل الأخلاقي ، رافعين عقيرتهم بأنّه لا تضرّ مع الإيمان معصية ، فقد ضلّوا وأضلّوا كثيراً حتّى دبّ الإرجاء بين المحدثين وغيرهم في القرن الثاني ، وقد ذكر أسماءهم جلال الدين السيوطي في تدريب الراوي[ ١ ] . حيث كان الإرجاء يقود المجتمع الإسلامي إلى التحلل الأخلاقي ، والفوضى في جانب العمل . إلى أن ظهرت المعتزلة في أوائل القرن الثاني عام ١٠٥ هـ قبل وفاة الحسن البصري بقليل ، فتوسّع الشقاق بين المسلمين ، وانقسموا إلى فرق كثيرة ، حيث كان النزاع قائماً على قدم وساق منذ أن ظهر الاعتزال على يد واصل بن عطاء حتى أواسط القرن الخامس الذي قضي فيه على هذه الفرقة .
وأمّا القرن الثاني فكان عصر ازدهار المذاهب الكلامية ، وكانت الأمصار ميداناً لتضارب الأفكار .
فمنهم متزمت يقتصر في وصفه الله سبحانه على الألفاظ الواردة في الكتاب
[١] تدريب الراوي ١ : ٣٢٨ .