البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٢ - وقفة مع الجصّاص في تفسير الآية
قوله في الآية المتأخّرة : ( أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِإحْسَان) هو ترك الرجعة ، وهكذا المراد
من قوله : ( فَإذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف)[ ١ ] هو تركها حتّى ينتهي أجلها ، ومعلوم أنّه لم يرد من قوله : ( أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف) أو قوله : ( أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف) : طلّقوهنّ واحدة أُخرى[ ٢ ] .
يلاحظ عليه : أنّ السؤال والإشكال ناشئ من خلط المفهوم بالمصداق; فاللفظ في كلا الموردين مستعمل في التسريح والطلاق ، غير أنّه يتحقّق في مورد بالطلاق ، وفي آخر بترك الرجعة ، وهذا لا يعدّ تفكيكاً في معنى لفظ واحد في موردين ، ومصداقه في الآية (٢٢٩) هو الطلاق ، وفي الآية (٢٣١) هو ترك الرجعة ، والاختلاف في المصداق لا يوجب اختلافاً في المفهوم .
٢ ـ أنّ التطليقة الثالثة مذكورة في نسق الخطاب بعده في قوله تعالى : ( فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) وعندئذ يجب حمل قوله تعالى : ( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) المتقدّم عليه على فائدة مجدّدة وهي وقوع البينونة بالاثنين[ ٣ ] بعد انقضاء العدّة .
وأيضاً لو كان التسريح بإحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى : ( فَإنْ طَلَّقَهَا) عقيب ذلك هي الرابعة; لأنّ الفاء للتعقيب قد اقتضى طلاقاً مستقلاّ بعدما تقدّم ذكره[ ٤ ] .
والإجابة عنه واضحة; لأنّه لا مانع من الإجمال أوّلا ثمّ التفصيل ثانياً ، فقوله تعالى : ( فَإنْ طَلَّقَهَا) بيان تفصيلي للتسريح بعد البيان الإجمالي ، والتفصيل مشتمل
[١] الطلاق : ٢ .
[٢] الجصاص ، التفسير ٢ : ٣٨٩ .
[٣] الأولى أن يقول : بكلّ طلاق .
[٤] الجصّاص ، التفسير ١ : ٣٨٩ .