البدعة وآثارها الموبقة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٥ - الثاني الإشارة إلى وجود الكذّابة على لسانه
وقال : وقد تنبّأ الرسول بما سيصيب سنّته الشريفة ويصيب المسلمين فيما بعد على أيدي الكذّابين ووضّاعي الحديث وأعداء الإسلام ، وفي الوقت نفسه أخبر عمّن يقف في وجه هذا الخطر العظيم إذ قال : «يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحوير الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد»[ ١ ] .
روى السيوطي أنّ عثمان بن عفان لمّا أراد أن يكتب المصاحف ، أراد أن يحذف الواو التي في سورة براءة في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيراً مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنُزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم)[ ٢ ] .
قال أُبيّ بن كعب : لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي[ ٣ ] .
فإنّ الخليفة كان يريد أن يقرأ قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَكْنُزُونَ) بدون واو العطف ، لتكون هذه الجملة وصفاً للأحبار واليهود . وهذا مضافاً إلى كونه خلاف التنزيل وتغييراً فيما نزل به الوحي كما تلاه الرسول وقرأه على مسامع القوم ، فإنّ حذف الواو كان يعني أنّ آية حرمة الكنز سوف لا تشمل المسلمين بل ستبقى صفة للأحبار والرهبان . وكان يقصد من هذه إضفاء طابع الشرعية على اكتناز الأموال الطائلة .
وهذا يكشف عن مدى حفظ الأُمّة لنصّ الكتاب بهذه الصورة الدقيقة الأمينة ، بيد أنّ حفظ الأُمّة كان محدوداً لا يتجاوز هذا الحد; إذ كان غير شامل لجوانب أُخرى من الشريعة وأُصولها ومصادرها وينابيعها .
[١] الكشي ، الرجال : ص ٥ .
[٢] التوبة : ٣٤ .
[٣] الدر المنثور ٣ : ٢٣٢ .