تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٠٠ - ٥٢٣٠ ـ عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة ذي الرمحين واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله ابن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب أبو الخطاب القرشي المخزومي الشاعر
[قالت :] قم فاخرج ، ثم قامت وجاءت المرأة فشدّت عيني ، ثم أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي ، وانصرفت وتركتني ، فحللت عيني وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله أعلم ، وبتّ ليلتي ، فلما أصبحت إذا أنا بها ، فقالت : هل لك في العود؟ فقلت : شأنك ، ففعلت مثل فعلها بالأمس ، حتى انتهت بي إلى الموضع ، فلما دخلت إذا بتلك الفتاة على كرسيّ ، فقالت : إيها يا فضّاح الحرائر ، فقلت : بما ذا ـ جعلني الله فداك ـ أيضا؟ قالت : بقولك [١] :
| وناهدة الثديين قلت لها : اتّكي | على الرمل ، من جبّانة لم توسّد | |
| فقالت : على اسم الله أمرك طاعة | وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد | |
| فلما دنا الإصباح قالت : فضحتني | فقم غير مطرود ، وإن شئت فازدد |
[قالت] قم فاخرج عني ، فقمت ، فخرجت ثم رددت ، فقالت لي : لو لا وشك الرحيل ، وخوف الفوت ، ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك لأقصيتك ، هات الآن كلّمني وحدّثني وأنشدني ، فكلّمت آدب الناس وأعلمهم بكل شيء ، ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا البيت ، فأخذت أنظر فإذا أنا بتور [٢] فيه خلوق ، فأدخلت يدي فيه ثم خبّأتها في ردني ، ثم جاءت العجوز فشدّت عيني ونهضت بي تقودني ، حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب ، ثم صرت إلى مضربي ، فدعوت غلماني ، فقلت : أيكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كفّ ، فهو حرّ وله خمسمائة درهم ، فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال : قم ، فنهضت معه ، فإذا أنا بالكفّ طرية ، فإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان ، فأخذت في أهبة الرحيل.
فلما نفرت نفرت معها ، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة ، فسألت عن ذلك فقيل لها : هذا عمر بن أبي ربيعة فساءها أمره ، وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه : قولي له نشدتك الله والرحم إن فضحتني [٣] ويحك ، ما شأنك؟ وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك [٤] ، فصارت إليه العجوز فأدّت إليه ما قالت لها فاطمة ، فقال : لست
[١] الأبيات في ديوان عمر ط بيروت ص ١٢١.
[٢] التور : إناء صغير ، والخلوق : نوع من الطيب.
[٣] الأغاني : أن تصحبني.
[٤] وتشيط بدمك ، يقال : أشاط دمه وبدمه : أهدره وعرّض نفسه للقتل.