تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٤ - باب ما حفظ من مزاحه ، وورد من سعة صدره وانشراحه
مذاكيره فقال له النبي ٦ : «مه» قال : والله ما ظننت إلّا أني امرأة لما قلت لي : يا أم عمرة ، فقال النبي ٦ : «إنما أنا بشر مثلكم أمازحكم» [١] [٨٥٧].
أخبرنا أبو عبد الله الفراوي ، أنبأنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمّد بن عبد الغافر الفارسي ، أنا أبو سليمان أحمد بن محمّد الخطابي قال : سئل بعض السلف عن مرح الرسول ٦ فقال : كانت له مهابة ، فكان يبسط الناس بالدعابة.
قال : وأنشدنا ابن الأعرابي في نحو هذا يمدح رجلا :
| يتلقى البدي بوجه صبيح | وصدور القنا بوجه وقاح | |
| فبهذا وذا أتمّ المعالي | طرق الجدّ غير طرق المزاح [٢] |
[١] في الذهبي : أمازحك.
[٢] وذكر ابن منظور خبرا في مختصره ، تعميما للفائدة نورده هنا وفيه :
وعن خوات بن جبير قال :
نزلت مع رسول الله ٦ مرّ الظهران ، خرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن ، قال : فأعجبنني. قال : فرجعت ، فأخرجت حلة لي من عندي فلبستها ، ثم جلست إليهن ، وخرج رسول الله ٦ ، من قبته فقال : «أبا عبد الله ، ما يجلسك إليهن؟» قال : فهبت رسول الله ٦ ، فقلت : يا رسول الله ، جمل لي شرود ، فأنا أبتغي له قيدا. قال : فمضى رسول الله وتبعته. قال : فألقى إليّ رداءه ودخل الأراك. فلكأني أنظر إلى بياض قدميه في خضرة الأراك ، فقضى حاجته وتوضأ ثم جاء فقال : «أبا عبد الله ، ما فعل شراد جملك؟» ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلّا قال : «السلام عليكم أبا عبد الله ما فعل شراد جملك» قال : فتعجلت إلى المدينة ، واجتنبت المسجد ، ومجالسة رسول الله ٦. فلما طال ذلك عليّ ، تحينت ساعة خلوة المسجد ، فأتيت المسجد فجعلت أصلي ، فخرج رسول الله ٦ من بعض حجره. قال : فجاء فصلى ركعتين خفيفتين ثم جلس ، وطوّلت الصلاة رجاء أن يذهب ويدعني فقال : «طول أبا عبد الله ما شئت ، فلست بقائم حتى تنصرف» فقلت : والله لاعتذرن إلى رسول الله ٦ ، ولابرئن صدره. قال : فانصرفت ، فقال : «السلام عليك يا أبا عبد الله ، ما فعل شراد جملك؟» فقلت : والذي بعثك بالحق ، ما شرد ذاك الجمل منذ أسلمت. فقال : رحمك ، مرتين أو ثلاثا. ثم أمسك عني فلم يعد.