إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٤٠٥ - صفاته تعالى في القرآن
هُوَ اَلْقَادِرُ اَلَّذِي إِذَا اِرْتَمَتِ[١] اَلْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ، وَ حَاوَلَ اَلْفِكْرُ اَلْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ اَلْوَسَاوِسِ[٢] أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ، وَ تَوَلَّهَتِ[٣]اَلْقُلُوبُ إِلَيْهِ، لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وَ غَمَضَتْ[٤] مَدَاخِلُ اَلْعُقُولِ فِي حَيْثُ لاَ تَبْلُغُهُ اَلصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ[٥]، رَدَعَهَا وَ هِيَ تَجُوبُ[٦] مَهَاوِيَ[٧] سُدَفِ[٨] اَلْغُيُوبِ، مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ[٩] مُعْتَرِفَةً، بِأَنَّهُ لاَ يُنَالُ بِجَوْرِ اَلاِعْتِسَافِ[١٠] كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ وَ لاَ تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي اَلرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلاَلِ عِزَّتِه اَلَّذِي اِبْتَدَعَ اَلْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ[١١] اِمْتَثَلَهُ[١٢]،
[١] ارْتَمَتِ: ارتمى القوم بالنّبل، أي: تراموا، رميت الشيء من يدي، أي: ألقيته فارتمى، و رميت السهم رمياً و رماية. [الصحاح/ (رمى)]
[٢] خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ: ما تقع في البال، و في بعض النسخ خطر الوساوس، و هو بسكون الطاء: الهاجس كالخاطر. [لسان العرب/ (خطر)]
[٣] تَوَلَّهَتِ: تولَّهت القلوب إليه أصابها الوله، و هو بالتحريك: التحيّر أو ذهاب العقل، و التحيّر من شدّة الوجد أو الحزن أو الخوف، و قيل الوله: ذهاب العقل لفقدان الحبيب. [لسان العرب/ (وله)]
[٤] غَمَضَتْ: غمض الحق غموضاً من باب قعد: خفى مأخذه، و غمض بالضمّ لغة. [المصباح المنير/ (غمض)]
[٥] عِلْمِ ذَاتِهِ: قال الشّارح المعتزلي: أنكر قوم جواز إطلاق الذّات على الله سبحانه؛ لأنّها لفظة تأنيث، و الباري سبحانه منزّه عن الأسماء و الصّفات المؤنثة، و أجاز آخرون إطلاقها عليه و استعمالها فيه لوجهين: أحدهما أنها جاءت في الشعر القديم، قال جنيب الصخار عند صلبه:
و ذلك في ذات الإله و إن يشاء
يبارك على أوصال شلو موزّع
و يروى ممرّغ، أي: مفرّق، و قال النابغة:
محلَّتهم ذات الإله و دينهم
قديم فما يخشون غير العواقب
و الثّاني أنها لفظة اصطلاحية؛ لأنّها على مؤنّث لكنها تستعمل ارتجالاً في مسمّاها الذي عبّر عنه بها أرباب النّظر الإلهي، كما استعملوا لفظ الجوهر و العرض في غير ما كان أهل اللّغة يستعملونها فيه. [منهاج البراعة].
[٦] تَجُوبُ: جاب الأرض يجوبها جوباً قطعها، و جاب البلاد يجوبها جوباً: قطعها سيراً و الجوب: قطعك الشيء كما يجاب الجيب. [لسان العرب/ (جاب)]
[٧] مَهَاوِيَ: جمع المهواة، و هي ما بين الجبلين. [لسان العرب]
[٨] السُدَفِ: جمع السدفة، و هي ظلام الليل أو سواد شخص تراه من بعيد، و السدفة: طائفة من الليل، يقال: أسدف الليل. [كتاب العين/ (سدف)]
[٩] جُبِهَتْ: جبهه كمنعه ضرب جبهته و ردّها.
[١٠] الاعْتِسَافِ: عسف عن الطَّريق: مال و عدل كاعتسف و تعسّف أو خبط على غير هداية، العسف: السير بغير هداية و الأخذ على غير طريق. [لسان العرب/ (عسف)] [العسف: وردت في خ (٨٩)]
[١١] المِثَالٍ: المقدار، يقال: هذا على مثاله، أي: على أمره، و صفة الشيء، يقال: هذا على مثال ذاك، أي: على صفته.
[١٢] امْتَثَلَهُ: و تمثّل به، أي: اقتداه و اتّبعه، يقال: امتثل طريقته إذا تبعها فلم يعدها.