إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٤٠٤ - صفاته تعالى في القرآن
مِنْ فِلِزِّ[١] اَللُّجَيْنِ وَ اَلْعِقْيَانِ[٢]، وَ نُثَارَةِ[٣] اَلدُّرِّ[٤] وَ حَصِيدِ اَلْمَرْجَانِ، مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ، وَ لاَ أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ، وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ اَلْأَنْعَامِ مَا لاَ تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ اَلْأَنَامِ، لِأَنَّهُ اَلْجَوَادُ اَلَّذِي لاَ يَغِيضُهُ[٥]سُؤَالُ اَلسَّائِلِينَ، وَ لاَ يُبْخِلُهُ[٦] إِلْحَاحُ اَلْمُلِحِّينَ.
فَانْظُرْ أَيُّهَا اَلسَّائِلُ: فَمَا دَلَّكَ اَلْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَ اِسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَ مَا كَلَّفَكَ اَلشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي اَلْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَ لاَ فِي سُنَّةِ اَلنَّبِيِّ صلى الله عليه و آله وَ أَئِمَّةِ اَلْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اَللَّهِ عَلَيْكَ. وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلرَّاسِخِينَ[٧] فِي اَلْعِلْمِ هُمُ اَلَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اِقْتِحَامِ[٨]اَلسُّدَدِ[٩] اَلْمَضْرُوبَةِ دُونَ اَلْغُيُوبِ، اَلْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ اَلْغَيْبِ اَلْمَحْجُوبِ، فَمَدَحَ اَللَّهُ تَعَالَى اِعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً، وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ اَلتَّعَمُّقَ[١٠] فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اَلْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً، فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَ لاَ تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَلْهَالِكِينَ.
[١] الفِلِزِّ: بكسر الفاء و اللام و تشديد الزاء و كعتلّ، قال في القاموس: نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة أو خبث الحديد أو الحجارة أو جواهر الأرض كلِّها أو ما ينفيه الكير من كلّ ما يذاب منها. [القاموس المحيط]
[٢] الْعِقْيَانِ: الذّهب الخالص، و يقال هو ما ينبت نباتاً، و الألف و النون زائدتان. [لسان العرب/ (عقا)]
[٣] نُثَارَةِ: نثارة الدّرّ: ما تناثر منه، قال الشّارح المعتزلي: و تأتي فعالة تارة للجيّد المختار و تارة للسّاقط المتروك، فالأوّل نحو الخلاصة، و الثاني نحو القلامة. [منهاج البراعة - الخوئي/ (نثر)]
[٤] الدُّرِّ: جمع الدّرة، و هي اللّؤلؤة العظيمة.
[٥] يَغِيضُهُ: قال تعالى: [وَ غِيضَ اَلْماءُ] إذا نقص، يقال: غاض الماء يغيض غيضاً من باب سار، و مغاضاً، أي: قلّ و نصب في الأرض. [مجمع البحرين/ (غيض)]
[٦] يُبْخِلُهُ: أبخلته: وجدته بخيلاً. [معجم مقاييس اللغة/ (بخل)]
[٧] الرَّاسِخِينَ: رسخ في العلم يرسخ من باب منع رسوخاً إذا ثبت فيه. [المصباح المنير/ (رسخ)]
[٨] الاقْتِحَام: لدّخول في الشيّء و المجاوزة له بشدّة و صعوبة. [مجمع البحرين/ (قحم)]
[٩] السُّدَدِ: جمع السدّة، كغرف و غرفة، و هي كالسّقيفة فوق باب الدار ليقيها من المطر، و قيل: هي الباب نفسه، و منه حديث أمّ سلمة أنّها قالت لعايشة لمّا أرادت الخروج إلى البصرة: إنّك سدّة بين رسول الله و بين أمّته فمتى أصيب ذلك الباب شيء فقد دخل على رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلَّم في حريمه.
[١٠] التَّعَمُّقَ: التعمّق في الأمر: المبالغة لطلب أقصى غايته.