الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ٦٠ - ٢- في طرابلس الغرب
إن الذي يرى أنور بك و قد أطلق من لحيته و ترك شعره مسترسلا على منكبيه معرضا وجهه لحرارة القيظ لا يلبث أن يميل الاعتقاد بأن هذا الرجل قلما يوجد مثله بين الناس، و أنه يجدر بالإنسانية أن تباركه و تقدس اسمه».
ثم ذكر المراسل الحربي ما أحدثه هذا البطل الكبير من التأثير في نفوس العرب، و ما له من الاحترام العظيم في قلوب القوم. ثم قال:
«رأيت من أنور بك أمرا غريبا و هو تفقده الأحداث بنفسه و مشارفته أمورهم بمفرده، و إني لأذكر أنه تقدم من طفل صغير هو أقل سنّا من بقية تلامذة المدرسة التي أسسها ذلك البطل، فجثا على قدميه و أمسك الطفل بيديه، و بعد أن نظر إليه قليلا، قال له بلهجة يتخللها الحنو الأكيد:
هل أتقنت الأمثولة يا بني؟
فأجابه الطفل و هو لا يقوى على النطق:
أجل يا أبت، تعلمتها عن ظهر قلب.
قال: فأسمعني إياها.
فأطبق الطفل عينيه، و قال:
«الوطن هو طرابلس الغرب و لا راحة للإنسان إلا أن يدافع عن وطنه، و العدو هو إيطاليا و لا يتمكن الضمير من الإخلاد إلى السكون إلا بفشل العدو، و والدي هو السلطان محمد الخامس و رضاء الوالد مقرون برضا اللّه و رسوله».