الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٣٢ - خطاب العلامة أسعد أفندي الشقيري في مأدبة البلدية
اللّه تعالى كما في القرآن قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
و تكلم بعد هذا في اختلاف البشر و بين مراتبه، فقال: إن الناس من حيث العموم في هلاك ما داموا في الجهل المطبق، كما جاء في الحديث النبوي الشريف:
«الناس هلكى». و من أخذ حظه من علم مخصوص، فقد دخل في الاستثناء الوارد في الحديث بقوله: «إلا العالمون» و العالم لا ينجو من الهلاك إلا إذا عمل بما علمه، فماذا يفيد الزارع و الصانع و المدرس و الفقيه علمه مع قعوده عن العمل؟ و من عمل بما علم فقد دخل في الاستثناء الوارد في الحديث بقوله: «إلا العاملون» فإن من عمل لرياء و سمعة، و حرص على مدح في جريدة، أو لبس ذهب و قصب، أو نيل رتبة أو حمل و سام، فقد باع العمل بلذة مؤقتة لا تصحبه حال الموت و لا بعده.
و مع ذلك فقد صرح سيد الأنام بأن المخلص في عمله أيضا على خطر عظيم؛ لما يطرأ على النفوس في بعض الأحيان من الزهو و الغرور. و ذكر بعد ذلك أن أنور باشا فارق المناظر الزاهرة في دار الخلافة، و ذهب إلى طرابلس الغرب، توسد فيها التراب و لبس أخشن الثياب، و قد فعل ذلك بدافع الإخلاص لدينه و وطنه، و كان أكثر المدعين للإخلاص نائمين على فرش الهناء، لا يعلمون من طرابلس إلا اسمها، و لم يشاهدوا في الخريطة إلا رسمها.
إلى أن ختم خطابه بقوله: إن جميع المسلمين فرحون لتشريف وكيل القائد الأعظم لزيارة أراضيهم المقدسة، و قد اقتفى- حفظه اللّه- أثر سلفه الصالح سلطان المجاهدين مولانا صلاح الدين الأيوبي، و قد ابتهل الجميع إلى اللّه تعالى