الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٩٠ - في المدينة المنورة
سيحيا بعدها الإسلام حياة طيبة، و ينتشر رواقه في إفريقية، و يسري نوره في المعمور.
ثم بعد ذلك، رجعا إلى الروضة النبوية، فأديا فريضة الجمعة الكبرى، و كان الخطيب هو رئيس الخطباء في المسجد النبوي، فبحث في خطبته عن فضائل المدينة المنورة، و عن فضائل المصطفى عليه الصلاة و السلام و أخلاقه الشريفة، و ما تقوم به الحكومة العثمانية الإسلامية من الانتباه و التيقظ، و دعا اللّه أن ينصر خليفة الإسلام إلى الأبد، و يؤيد الجيش و الأسطول مرفوعة أعلامهما، مؤيدة كلمتهما.
ثم ذهبا إلى فندق دار السرور؛ حيث أعدت الحكومة هناك بما يليق بمقام الزائرين العظيمين، و كان ذهابهما إليه بمثل ما دخلا به إلى الحرم الشريف من الاحتفال الفخم و الأعلام العثمانية، و أقواس النصر البديعة ترفرف على الرءوس، و لم يستقر بهما الجلوس حتى أمر وكيل القائد الأعظم بالصدقات لتقسم على الفقراء، فذبحت الذبائح في الحال، و طبخت قدور الأرز في كل حي من أحياء المدينة، و وضعت الحلوى أيضا حتى اكتفى الكل، ثم أخذت الوفود تفد على حضرتيهما، فيقابلان الكل بما يمتلك القلوب و يريح البال، و لما أزف وقت العصر نزلا إلى الصلاة في المسجد النبوي، و هكذا أديا فيه سائر الأوقات.
و بعد صلاة العصر، لبس كل من حضرة أنور باشا و جمال باشا قفطانا أبيض و طربوشا أبيض، و أخذا و السرور آخذ بمجامع قلبيهما يقومان بالمراسم الدينية و التعظيمات، و بعد أن خشعت القلوب و فاضت الدموع بعبرات السرور؛ تشرفا بالدخول إلى الحجرة المباركة، و أوقد بالذات المصابيح، ثم قبلا بكل احترام ستار الموقد النبوي، و استمدا من المولى بحضرة صاحب الرسالة