الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٨٧ - في المدينة المنورة
تسمع لأصواته طربا ترتاح له القلوب، و تهتز به الأرواح، ثم سادات المدينة و أعيناها، ثم حضرات مشايخ الطرق يتقدمهم رئيسهم الأعظم السيد حمزة الرفاعي شيخ المشايخ و مقدم الطريقة الرفاعية، ثم تلامذة المكاتب عامة يتقدمهم مدير المعارف و الإعدادي حمزة أفندي وصفي، و جميع المعلمين حاملين أعلام النصر محلين صدورهم بقطع الحرير المزركشة، ينشدون الأناشيد الوطنية الحماسية عربية و تركية مما كان له أعظم وقع في نفوس القوم.
و بعد برهة وصل القطار الخاص الذي حمل الشهامة، و يقل المهابة، فرمتقه الأنظار و توجهت إليه القلوب، فرشقتنا التفاتات أنورية و لحظات جمالية كانت لها كوابل حياة أمطرنا فأحينا، و سحاب فضل سال علينا فأروانا، و لم يكد يصل القطار إلى المحطة حتى حيته الحصون بالمدافع، فكنت تسمع لدويها صدى ترتعش له القلوب حنانا، و تهتز له الأفئدة تيها، و سرعان ما تقدم مولانا شيخ الحرم عن نفسه و نائبا عن المحافظ، ثم مدير الصحة، ثم المفتي الشيخ مأمون بري، ثم وكيل شيخ السادة، ثم مفتي السادة الشافعية السيد زكي البرزنجي، ثم عين أعيان المدينة السيد زين العابدين المدني الذي كان له القدح المعلى بنيل رضا الأنورين و حيازة الثقة عندهما، و بعد أن ازدحم الجميع أمام البهو المعد للوزيرين الخطيرين وقف القطار، و صعد شيخ الحرم و من معه، فحيوا الوزيرين تحية معترف لها بخدماتهما للإسلام، مقدرا لهما صنيعهما حق قدره، ثم نزل القائدان و معهما نجل أمير مكة المكرمة المحبوب الأمير فيصل بك، و سرعان ما ذهب الجمع إلى الردهة المعدة لهم، فتناولوا هناك القهوة، ثم أدير عليهم تمر الحلوى الذي وضعته الحكومة في الحجرة النبوية للتبرك تلك الليلة.