الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٤ - في حلب الشهباء
صغير أنحله دبيب الروح الأعظم في عاطفته و شوقه، جالس على القبور و قد ثوت فيها آمال الأمة مع رفات الجدود، ذلك الضابط الشاب قد انحنى على يأس أخوته، فاستخرج منه الأمل الحي في قلبه، و بينما كان الكل في قطع الرجاء كان هو وحده منفردا بأمل الحرية و الحياة، كان أعدؤه كحلقات الحديد مرتبطة تتسلسل من عند جواهر التاج حتى رغيف الجندي اليابس، أصدقاؤه قليلون، و مناوئوه الجميع.
ذلك الضابط الصغير انتضى سيفه، و اندفع إلى الأمام، فلم تمض أيام حتى أصبحت الأمة كلها جندا له، و خشع أمامه الكل حتى أعداؤه.
انظر إلى ذلك الضابط الصغير أيها الوزير الكبير، تذكر و أنت إلى جنب العرش، ذلك الذي وضع أساس المجد و هو متشرد في الجبال.
تذكر و أنت إذا تحركت ماجت لأمرك ملايين السيوف، و زمجرت لصوتك ألوف المدافع، تذكر أنور بك، و إلى جنبه رفيق جهاده نيازي بك تتمهد أمامك المصاعب، و تذوب أمام بريق عينيك جبال الأهوال.
أي أمير السيف، و مجدد مفاخر عثمان ما ذكرت لك أخاك نيازي لأثير كامن الشجن فيك، و لكنها خواطر قوة تثور في روحك، فتدب منها إلى الأمة المجاهدة قوة الموت في سبيل الحياة.
و ما يسيل الدمع من مآقيك مثل هذا التذكار أنك ما افترقت عن نيازي؛ لأنه إن لم يكن حيث أنت فأنت موجود حيث هو كائن. إن الرجال الذين يصطفيهم الروح الأعلى لإتمام مقدرات الإنسانية يعيشون و هما على الأرض؛ إذ يحيون حقيقة في أوج المصادر الخالدة. إن روحك تجول حيث تجول الآن أرواح