الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٣٧ - جاء في المقتبس بقلم أحد محرريه شقيقنا أحمد كرد علي إجلال الأبطال
إن القلم ليعجز عن تعداد فضائله التي هي أكثر من أن تحصى، لقد خلقه اللّه و وهبه حكمة بالغة، و سعة صدر عجيبة، فكان منذ نعومة أظفاره يجد وراء حياة هذه الأمة، و إعلاء شأن الدين، نهض نهضة الأسد، و مزق حجب الأوهام و الاستبداد، و هيأ للأمة مستقبلا سعيدا، و ألقى بنفسه في مهالك عظيمة لنجاة هذا الدين الحنيف، و رفع لواء الإسلام، و لقد نجاه اللّه و وهبه السعد و الإقبال ليخدمه؛ إذ قال جل و علا: وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.
جاهد بعد إعلانه الدستور لإيجاد روح شاب الإسلام في المملكة، و جدّ وراء ارتباط العالم الإسلامي بأجمعه من المشرق إلى المغرب حتى طبق ذكره الخافقين، و أضحى الصيني و الهندي و الأفغاني و التونسي و العربي يتلظى شوقا لرؤية محياه، و يدعو اللّه في صلاته و صيامه بطول عمره و بقائه.
أدهش الغربيين باقتداره و ذكائه، أعجب الأحباء منهم بأعماله و نياته، أوجد للدولة العلية الإسلامية قوة و عظمة، و دبّ في روح أبنائها الحياة الحقيقية، و به فهموا معناها حتى أضحت به تضاهي الدول العظمى قوة و علما و سياسة، و ببرهة و جيزة دوخت الأعداء، و طربت لها قلوب المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها.
تولى حفظه اللّه نظارة الحربية، فرأى حالة الجيش محزنة، فواصل ليله بنهاره لجعله جيشا تهابه الأسود و تخشى سطوته بلاد الأعداء، و لا غرو فالتاريخ يعيد نفسه، فما هي إلا عشية و ضحاها حتى ظهر الجيش الإسلامي كما تظهر الأسود من عرينها، ظهر جيشا عرمرما كامل العدة و العدد، منظما أجل التنظيم، أوجد في قلبه إيمانا لا يتزعزع، علمه كيف يجب أن يعيش لإحياء دين اللّه، و قد ظهرت في هذه الحروب الضروس نتيجة عمله العظيم.