الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١١٩ - تعريب خطاب عبدي توفيق بك من المحررين العثمانيين الذي ألقاه في سينما جناق
يرفعها هو عبارة عن إيفاء وظيفتنا عارفين بها أو انحرافنا عن طريق الوظيفة و العدول عنها بعدم اجتهادنا، و لا يتم النجاح في الوظيفة إلا بفكرة المثابرة على الخطة التي هي أساس دستور الجد المتين.
إذا قايسنا بين اليوم و أمس نرى و نعلم أن الجيش الذي يحارب اليوم في جبهات الحرب المختلفة يرى متبعا للواجب في جميع حركاته، و هو في كل عمل يسير بفكرة المثابرة المطلوبة في كل محل و في كل شعبة.
و إن الجيش الذي حارب أمس في جناق قلعة بالقلوب المملوءة بالإيمان بالظفر و المتحصنة بدروع العزم و المتانة يحارب بأسنانه و أظافره اليوم في أرضروم و جبال القفقاس في وسط الجليد الملون بالدم، متسلقا الذرى الحادة الشاهقة، و هو الذي اجتاز ترعة السويس، ممتطيا جسور القوارب بعد أن قطع صحراء التيه، تلك التي هي بحار ما لها عدد قائم بنفسه، و هو الذي أظهر في هضاب الإسماعيلية بحرابه القاطعة الشهامة لبسالة العثمانية، فهذا الجيش هو نفس الجيش العثماني الذي قام بحرب البلقان في سنة (١٣٢٨ ه).
إن انتصارات و نجاح جيش سنة (١٣٢٨ ه) في سنتي (١٣٣٠ و ١٣٣١ ه) لم تنشأ سوى عن قبوله مسلكا جنديّا صرفا، لا تشوبه شائبة غير ذلك من الأشياء، و وضعه في محله كل مسمار من مسامير بناء حركاته بدافع فكرة المثابرة، و تثبيته بواسطتها، و بفضل ذلك أضحت الأمة اليوم ليس وحدها فقط بل أمام الأمم في العالم صديقاتها و عدواتها تظهر نفسها كرجل بن رجل، منتصب الرأس طاهر القلب، حر الفكر، ناصع الجبين، و كل هذا هو نتيجة عمل أرباب الفكر و المتانة الذين يفكرون على صور متعددة، و يعملون عملا واحدا، و نحن نعلن سرورنا و تفاخرنا مع إظهار عواطف شكرنا بالمواجهة