إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٢٥٧ - ٥٩ شرح إعراب سورة الحشر
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ و يخرّبون على التكثير، و قد حكى سيبويه أنّ فعّل يكون بمعنى أفعل كما قال: [الطويل] ٤٧١-
و من لا يكرم نفسه لا يكرم
[١]
فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ أي فاتعظوا و استدلّوا على صدق النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بأن اللّه جلّ و عزّ ناصره لما يريكم في أعدائه و بصدق ما أخبركم به. و اشتقاقه من عبر إلى كذا إذا جاز إليه، و العبرة هي المتجاوزة من العين إلى الخدّ. قال الأصمعي: و قولهم: فلان عبر أي يفعل أفعالا يورث بها أهله العبرة و في معنى يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ قولان:
أحدهما أنه من بصر العين، و الآخر أنه من بصر القلب. قال أبو جعفر: و هذا أولى بالصواب، لأن الاعتبار إنما يكون بالقلب، و هو الاتّعاظ و الاستدلال بما مرّ. فقد قيل:
إن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم خبّرهم بهذا أنه يكون فكان على ما وصف فيجب أن تعتبروا بهذا و غيره، كما قال جلّ و عزّ: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧]فكان كما قال، و قال جلّ ذكره: سَيَصْلىََ نََاراً ذََاتَ لَهَبٍ [المسد: ٣]ذلك و قال: وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: ٩٥]فلم يتمنه أحد منهم، و كذا وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ [الزخرف: ٨٧]فقالوا ذلك، و كذا وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم: ٣] كذا قوله صلّى اللّه عليه و سلّم لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية» [٢] و قوله ٧ لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يوم كتب: «من محمد رسول اللّه» فساموه محوها فاستعظم ذلك علي رضي اللّه عنه فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «إنّك ستسام مثلها» [٣] فكان ذلك على ما قال، و كذلك قوله في ذي الثديّة «و من ينجو من الخوارج» [٤] فكان الأمر كما قال، و كذلك قوله في كلاب الحوأب قولا محدّدا، و كذلك قوله في فتح المدينة البيضا و في فتح مصر، و أوصى بأهلها خيرا فهذا كله مما يعتبر به و قال جلّ و عزّ: وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ [المائدة: ٦٧]فعصمه حتّى مات على فراشه، و قال: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٥]فاستخلف ممّن خوطب بهذا أربعة أبا بكر و عمر و عثمان و عليا رضي اللّه عنهم، و كان هذا موافقا لقوله صلّى اللّه عليه «الخلافة بعدي ثلاثون» و مما يعتبر به تمثيلاته التي لا تدفع، منها حديث أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول اللّه كيف يحيي
[١] انظر الفهارس العامة.
[٢] أخرجه مسلم في صحيحه-الفتن ٧٠، و أحمد في مسنده ٢/١٦١، و البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ١٨٩، و الطبراني في المعجم الكبير ١/٣٠٠، و المتقي في كنز العمال (٢٣٧٣٦) .
[٣] أخرجه الترمذي في سننه-المناقب ١٣/٢٠٩.
[٤] أخرجه ابن ماجة في سننه باب ١٢ الحديث (١٦٧) ، و أبو داود في سننه، الحديث رقم (٤٧٦٣) .