إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ١٨١ - ٥٣ شرح إعراب سورة النجم
هذه قراءة أكثر القراء، و قرأ الحسن و قتادة و يزيد بن القعقاع و عاصم الجحدري مََا كَذَبَ اَلْفُؤََادُ [١] مشدّدا. التقدير في التخفيف ما كذب فؤاد محمد محمدا فيما راه و حذفت في كما حذفت «من» في قوله جلّ و عزّ من: وَ اِخْتََارَ مُوسىََ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً [الأعراف: ١٥٥]. لأنه مما يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف. قال أبو جعفر: و هذا شرح بيّن و لا نعلم أحدا من النحويين بيّنه، و من قرأ كذّب فزعم الفراء أنه يجوز أن يكون أراد صاحب الفؤاد. و أجاز أن يكون معنى «ما كذب» صدّق. و القراءة بالتخفيف أبين معنى، و بالتشديد يبعد؛ لأن معناها قبله و إذا قبله الفؤاد أي علمه فلا معنى للتكذيب. و القراءة بالتخفيف بيّنة أي صدقه. و اختلف أهل التأويل في معنى مََا كَذَبَ اَلْفُؤََادُ مََا رَأىََ فقال ابن عباس و جماعة معه: رأى ربه جلّ و عزّ قال: و خصّ اللّه إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم بالخلّة و موسى بالتكليم و محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم بالرؤية كما جاء في الحديث عنه صلّى اللّه عليه و سلّم:
«رأيت ربّي جلّ و عزّ فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى» [٢] . و القول الأخر قول ابن مسعود و عائشة رضي اللّه عنهما أنه رأى جبرائيل على صورته و قد رفعه زرّ عن عبد اللّه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «رأيت جبرائيل على صورته له ستمائة جناح عند سدرة المنتهى» [٣]
و رفعته عائشة أيضا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و ردّت على ابن عباس ما قاله.
[٤]
صحيحه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و ابن مسعود و ابن عباس و مرويّه عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و هي قراءة مسروق و أبي العالية و يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي و بها قرأ النخعي غير أن أبا حاتم حكى أنه قال: لم يماروه و إنما جحدوه قال: و في هذا طعن على جماعة من القراء تقوم بقراءتهم الحجة منهم الحسن و شريح و أبو جعفر و الأعرج و شيبة و نافع و أبو عمرو و ابن كثير و العاصمان. و القول في هذا أنهما قراءتان مستفيضتان قد قرأ بهما الجامعة غير أن الأولى من ذكرناه من الصحابة.
فأما أن يقال: لم يماروه فعظيم؛ لأن اللّه جلّ و عزّ قد أخبر أنّهم قد جادلوا، و الجدال هو المراء و لا سيما في هذه القصة، و قد ماروه فيها حتّى قالوا له: سرت في ليلة واحدة إلى بيت المقدس فصفه لنا، و قالوا: لنا عير بالشام فأخبرنا خبرها، قال محمد بن يزيد: يقال مراه بحقّه يمريه إذا دفعه به و منعه منه، قال و «على» بمعنى «عن» . قال أبو
[١] انظر معاني الفراء ٣/٩٦.
[٢] ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧/١٥٥، و ذكر في مناهل الصفا (٣٢) ، و مختصر العلو للعلي الغفار- تحقيق الألباني ١١٩.
[٣] أخرجه أحمد في مسنده ١/٤٠٧، و ابن كثير في البداية و النهاية ١/٤٤.
[٤] انظر تيسير الداني ١٦٦، و البحر المحيط ٨/١٥٦.