صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٨٦ - بين المبدأ و الملك
سائر المسلمين في دنيا الاسلام، و استغنى بها عن القوة المادية و عن الثروة و السلطان، لانها بحقيقتها قوة و ثروة و سلطان.
فليبغ عليه معاوية، و ليخنه عبيد اللّه بن عباس و لتخذله الكوفة، فلن تخذله بنوته الكريمة من رسول اللّه، و لن تخونه امامته المفروضة بأمر اللّه، و لن تبغي عليه مودته الواجبة في كتاب اللّه.
و ما قيمة الملك المحدود، اذا قيس بالملك الروحي الذي لا تبلغه الحدود.
و ما كان الاخفاق و لا الفشل و لا الموت، بقادر على القضاء-و لو يوما واحدا-على هذه المعنويات الروحية التي طبقت الجواء فخارا، و تجاوب بها التاريخ اعجابا و اكبارا، و بسطت سلطانها على قلوب المسلمين، لا يحرمها الازدهار عدوان المعتدين، و لا يمنعها الاثمار انكار المنكرين الجاحدين. و ها هي ذي الى يوم الناس هذا لتصاعد قدما في عظمتها و على طريق خلودها، في خط مستقيم بدون انحناءات.
*** و الى هنا و قد تبينا-بهذا-الصلة الوشيجة بين الحسن و بين الينبوع الذي ينض بالخير على البشرية في مزالق الشر، و بالهدى على المسلمين في مواقف الفتنة و التيه، و بالبركة على الدنيا في ساعات الجدب و الحرمان، و عرفنا الحسن بوصفه ابن رسول اللّه و سيد شباب أهل الجنة و اماما يشارك القرآن في امامته.
بقي علينا ان ننقاد بشيء كثير من العناية و الاهتمام، الى فهم ما يرمز إليه الحسن نفسه في إيضاح موقفه-بين الملك و المبدأ-.
و لنرسم الآن صورة موجزة مختارة من كثير كثير، مما تناقلته عنه الحكايات المتناثرة بأسانيدها المتفاوتة في الثقة، ثم لنستظهر-بعد ذلك- اشارته البليغة الواردة فيما نذكره من هذه الحكايات، و هي ذات اهمية كبرى، لتوجيهنا الى القول الفصل في الموضوع.