نور الحقيقة ونور الحديقة في علم الأخلاق - الشیخ البهائي - الصفحة ٦٢ - فصل محاسبة النفس و هى أحسن ما يبعث عليه العقل السليم و الطبع المستقيم
فانّ اللّه عز و جل قد حث في كتابه العزيز على الطاعة و وعد عليها الثواب الجزيل، و خوّف من المعصية، و توعّد عليها بالعذاب النكيل، و قال اللّه تعالى جلّ و عز: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»[١] هب أن الغفران وجد، فاين منازل المقرّبين و درجاتهم الرفيعة في الجنّة؟ و كيف يقابل اللّه جلّ و عز بالمعصية و لا يستحيي منه، و المرء يستحيي من أدنى أفراد الناس، و الجزاء بيد اللّه لا بيد ذلك الدّني؟!
فمن لم يتبصّر بمثل هذا فهو الاعمى الذي يكون.
: «فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا»[٢].
ثم أقول: لو أن يهوديا أخبر عن طعام أنّه ضار، لتركه المرء، و لو أن نصرانيا قال لمسلم: أنت الليلة في ضيافتي، لترك الاهتمام بمأكله لتلك الليلة.
و لو أن مجوسيّا جاء في طريق و أخبر انه كثير الخوف باللصوص و قطاع الطريق أو قليل الماء او الزاد، لم يقدم على السفر في تلك الطريق أحد الّا بعد الوثوق من أمر نفسه بكثرة الرفقة، و تهيئة العدّة و احكامها بحيث يأمن على نفسه بذلك، و بعد استعداد الزاد و الماء اللذين يغلب على ظنه أنهما بقدر كفايته، و نحن قد أخبرنا نبيّنا الصادق الذي لا نشك في صدقه و عصمته عن خالق الاشياء و عالم كنه حقيقتها و مآلها، بأنّ المعاصي طعام مضرّ بل مهلك، و لا نجتنبه؟!
و بأن رزقنا على اللّه، و لا نترك الاهتمام به؟!.
و بأن الطريق الى الجنة مخوف، بعيد، كثير المهالك، يحتاج الى الزاد
[١] سورة الزلزلة: ٩٩/ ٧- ٨.
[٢] اقتباس من قوله تعالى:« وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا» الحاشية للصفحة ٦٢( سورة الاسراء: ١٧/ ٧٢)