المناقب، الكتاب العتيق - العلوي، محمد بن علي بن الحسين - الصفحة ٦٢ - معجزة أخرى في أول خطبة له
و لكن تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ[١].
أيّها الناس، إنّ اللّه تعالى قد أخذ العهد عليكم أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً[٢]، و أنا أحد الوالدين، و ابن عمّ رسولكم، و وارث علمه، و عيبة ذخره، و معدن سرّه، لا يفوتني ما أطلب، و قد وعيت و أحصيت ما دبّ و درج، و ما هبط و ما عرج، و أنا أعلم بما أخفيتم و ما أعلنتم.
فقام إليه رجل من أقاصي القوم و كان من كندة يقال له هلال بن نوفل الكندي، و قال: يا ابن أبي طالب، إنّ هذا العراق ليس يحمل خرافات الحجاز، و أهل الكوفة أهل فقه و عبادة و رحمة و إشارة، عرب فصح ذو أعين كلح.
فقال أمير المؤمنين: أيّها الغافل الأحمق الجاهل، هبّ إلى سقر.
[ف] و اللّه ما تمّ كلامه صلّى اللّه عليه حتّى هبّ و هو على تلك الحال حتّى تشقّقت أثوابه عن جسده و خرج من ثيابه طائر في صورة الغراب الأبقع[٣] و سقط على شرف المسجد و الناس ينظرون إليه متعجّبين متحيّرين فيه، فقامت قبيلة كندة أجمع على أقدامهم و نادت: يا معشر العرب، قد قدم عليكم ساحر الحجاز و كاهن العراق فاحذروا على أنفسكم فقد ترون ما فعل بصاحبنا؛ هذا اليوم علينا، و غدا عليكم، فاضطرب الجامع بمن فيه و كثر الضجيج، و تنادت العرب كلّ قبيلة باسمهم و أمير المؤمنين في خطبته لا يلتفت إليهم.
فقال بعضهم: يا للعرب! إنّ ابن أبي طالب قد ولغ[٤] في دماء كثيرة من سائر
[١] سورة هود، الآية ١١٩.
[٢] سورة الإسراء، الآية ٢٣.
[٣] الغراب الأبقع: الذي فيه سواد و بياض( انظر الصحاح ٣: ١١٨٧).
[٤] في« م»:( أباح) بدل من:( ولغ).