من حياة أهل البيت - التسخيري، الشيخ محمد علي - الصفحة ٥٨ - مستوى الصورة الفردية والواقع
ولكنه يجد طريقه خافت الاضواء بالنسبة لبعض الائمة الآخرين عليهم السلام، باعتبار قلة الروايات التي تتحدث عن الجوانب الاجتماعية والسلوكية لهم عليهم السلام، بحيث لا تتناسب مع الدور الكبير الذي أدوه في حياة الامة، والذي تكشف النصوص التاريخية عنه اجمالا، ولا مع المركز العلمي الواسع الصيت الذي تكشف عنه تلك النصوص أيضا.
فهذا التاريخ يحدثنا عن أن المأمون لما عزم على تزويج الامام الجواد عليه السلام من ابنته أم الفضل اعترض أقرباؤه الادنون وذوو الاطماع على ذلك ونبهوه أنه يخاطر بهذا العمل، فالامام بعد طفل في التاسعة وان أصر على ذلك فليصبر حتى يكبر الغلام ويتفقه في الدين، ويعرف شيئا من العلم والادب وحينها علق المأمون بقولته الشهيرة: (انه لأفقه منكم وأعلم باللَّه ورسوله وسنته وأحكامه، وأقرأ لكتاب اللَّه منكم وأعلمكم بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وظاهره وباطنه وخاصه وعامه وتنزيله وتأويله فاسألوه فان كان الامر كما وصفتم قبلت منكم وان كان الامر على ما وصفت علمت ان الرجل خلف منكم)[١].
وهنا تختلف الروايات فيما فعلوه، فمن رواية تؤكد انهم جمعوا علماء الحاضرة الاسلامية وفقهاءها المتضلعين في مجلس، واحضروا الامام على حين غرة بعد ان أعدوا له مسائل كثيرة يصل بها البعض الى الآلاف، ولكنه يخرج من هذا الموقف والكل يشهد بعلمه الغزير وتفوقه الباهر، وتؤكد رواية أخرى أن ذلك كان مفتتحا لمجالس عديدة تكثرت فيها الاسئلة المعدة مسبقا، وكان يقود الحملة في توجيه الاسئلة يحيى بن أكثم قاضي قضاة الدولة العباسية، ولكنا نجده في النهاية مذعنا معترفا بأفضليته وهو شاب يافع[٢].
[١] - تحف العقول: ٤٥١.
[٢] - راجع المناقب ٢/ ٤٣٠، الهداة ٦/ ١٧٥، البحار ١٢/ ١٢٠، جلاء العيون ٣/ ١٠٦، صحيفة الابرار ٢/ ٣٠٠ وغيرها.