من حياة أهل البيت - التسخيري، الشيخ محمد علي - الصفحة ١٤٠ - الفصل الثاني- الموقف من معاوية وظاهرة عدم تقبّل انصاف الحلول
الحالات.
وقد جرى الشارع المقدس في الاسلام على هذا المجرى، فقرر هذه الظاهرة العقلائية وأمضاها، ومن هنا رأينا البحث عن تحديداتها وقواعدها الفرعية في علم أصول الفقه الاسلامي، سواء في ذلك بحثها بهذا العنوان كما في البحوث الشيعية أو تحت عنوان (الاستحسان) كأصل مستقل على أحد معانيه التي عبر بها عنه وغير ذلك كما في البحوث السنية، وقام الفقهاء بتطبيقها على حالات عديدة، كما رأينا- مثلًا- أنه رغم أن دم المسلم وسفكه من أشد الحرمات وخصوصاً إذا كان ممن لا يقدر على الدفاع عن نفسه لكنه يكون جائز السفك إذا كان بقاؤه حياً، يعني أن يكون عقبة في سبيل انتشار الرسالة الاسلامية الخالدة، وتطبيق العدل في الأرض، وذلك إذا تترَّس الكفار المحاربون اثناء الحرب بالمسلمين الأسرى، واضعين اياهم أمامهم ليتقوا هجوم المسلمين، ولم يكن للمسلمين سبيل لاختراق هذا الجدار البشري للوصول إلى العدو، وفي هذا يقول «الشهيد الأول» محمد بن جمال الدين مكي العاملي في كتابه «اللمعة الدمشقية»: «وهكذا يجوز قتل الترس ممن لا يقتل، ولو تترسوا بالمسلمين كيف ما أمكن، ومع التعذر فلا قود ولا دية ...».
كما أننا لا نعدم في التاريخ الاسلامي ما يعبر عن تطبيق النبي الكريم صلى الله عليه و آله و سلم لهذه القاعدة، كما في قضية عبور الجيش الاسلامي على أرض رجل من المسلمين اضطراراً وتضرر ذلك المسلم، إذ من المنطقي أن تضرر المسلم ظلم لا محالة ولكن لو توقف على ذلك نشر العدل في ربوع الارض، وهو أهم بكثير من تلك الحادثة الجزئية فانه حينذاك سيكون عملًا ضرورياً يجب القيام به وصولا إلى ذلك الهدف العظيم مع فرض انحصار السبيل بذلك.