شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٥٧ - حقيقة النظم و أقسامه
شجو حسّاده و غيظ
عداه أن يرى مبصر و يسمع واع
فإنّ المرئىّ و المسموع لا بدّ و أن يكون شيئا معيّنا
فحذفه،و أوهم بذلك أنّ كلّ ما يرى منه و يسمع عظيم و أنّه فضيلة تشجو حسّاده،و
تغيظ عداه،و من هاهنا تحصل البلاغة و لو أبرز ذلك المفعول المعيّن لما حصل ذلك
التعظيم الوهمي لتخصيص الذهن للتعظيم بالمفعول المذكور دون ما عداه،و قد يكون ذكر
المفعول أولى و أبلغ و ذلك إذا كان أمرا عظيما بديعا كقوله:و لو شئت أن أبكي دما
لبكيته،لمّا كان بكاء الدم أمرا عجيبا كان ذكره أولى، الثاني أن يحدف للعلم به
كقول علي عليه السّلام إن أشنق لها خرم أى أنفها،و أن أسلس لها أي قيادها تقحم أي
المهالك،و الثالث أن يضمر على شريطة التفسير كقوله أكرمني و أكرمت عبد اللّه،و
أمّا المبتدأ و الخبر فقد ورد حذف كلّ واحد منهما تارة أمّا المبتدأ فكقوله تعالى «سُورَةٌ
أَنْزَلْنٰاهٰا» و أمّا الخبر فقوله تعالى «طٰاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ» و أمثاله كثير و
قد حكم بحسن ذلك البلغاء قال عبد القاهر-رحمه اللّه-:ما من اسم حذف في الحال الّتي
ينبغي أن يحذف فيها إلاّ وجدته أحسن من ذكره،و حسنها في المواضع الّتي يفهم عنها
البلاغة.
البحث الثاني في الإيجاز
و حدّه-التعبير عن الغرض بأقلّ ما يمكن من الحروف من غير إخلال مثاله قوله تعالى «وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ» ١و قد كان المثل يضرب بقولهم:القتل أنفى للقتل إلى أن اوردت هذه الآية و الترجيح للآية ظاهر من وجهين،أحدهما أنّه أوجز فإنّ حروفها عشرة و حروف المثل أربعة عشر،الثاني أنّ القتل قصاصا لا ينفي القتل ظلما من حيث إنّه قتل بل من حيث إنّه قصاص و هذه الجهة غير معتبرة في كلامهم و لها ترجيحات اخر لا نطول بذكرها،و من ذلك قول علي عليه السّلام:قيمة كل امرىء ما يحسنه، و قوله المرء عدّو لما جهله،و قوله:الجزع أتعب من الصبر،و قوله:تخفّفوا تلحقوا.
الفصل الثالث في أحكام إنّ و إنّما و ما في حكمها
و فيه أبحاث.
البحث الأوّل في فوائد إنّ
،و هى أربع:الأولى أنّها قد تربط إحدي الجملتين بالاخرى فيحصل النظم كقوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنَّ وَعْدَ اللّٰهِ حَقٌّ» و قوله تعالى:
«اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّٰاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ» ٢ و قول عليّ عليه السّلام أيّها الناس إنّه لا يستغني