شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٠٢ - ذكر مبعث الأنبياء و ذكر ما اختار اللّه لنبيّه
أن يبدّل أكثرهم عهد اللّه سبحانه إليهم من الدوام على عبادته و الاستقامة على صراطه المستقيم و عدم الانقياد لعبادة الشيطان كما قال سبحانه «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لاٰ تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ» ١الآية،و أن يجهلوا حقّه للغفلة بحاضر لذّاتهم عمّا يستحقّه من دوام الشكر، و أن يتّخذوا الأنداد معه لنسيانهم العهد القديم،و أن تجتذبهم الشياطين عن معرفته الّتي هي ألذّ ثمار الجنة،و أن تقتطعهم عن عبادته الّتي هي المرقاة إلى اقتطاف تلك الثمرة، و لمّا كان من شأنهم ذلك وجب في الحكمة الإلهيّة أن يختصّ صنفا منهم بكمال أشرف يقتدر معه أبناء ذلك الصنف على ضبط الجوانب المتجاذبة،و على تكميل الناقصين ممّن دونهم،و هم صنف الأنبياء عليهم السلام و الغاية منهم ما أشار إليه ليستأدوهم ميثاق فطرته أي ليبعثوهم على أداء ما خلقوا لأجله و فطروا عليه من الإقرار بالعبوديّة للّه،و يجذبوهم عمّا التفتوا إليه من اتّباع الشهوات الباطنة،و افتناء اللذّات الوهميّة الزائلة،و ذلك البعث و الجذب تارة يكون بتذكيرهم نعم اللّه الجسميّة و تنبيههم على شكر ما أولاهم به من مننه العظيمة،و تارة يكون بالترغيب فيما عقده سبحانه ممّا أعدّه لأوليائه الأبرار،و تارة بالترهيب ممّا أعدّه لأعدائه الظالمين من عذاب النار،و تارة بالتنفير عن خسائس هذه الدار،و وجوه الاستهانة بها و الاستحقار،و إلى ذلك أشار بقوله، و يذكّروهم منسيّ نعمته ، و لا بدّ للمجادلة و المخاطبة من احتجاج مقنع و مفحم فيحتجّوا عليهم بتبليغ رسالات ربّهم و إنذارهم لقاء يومهم الّذي يوعدون،و يشيروا لهم وجوه الأدلّة على وحدانيّة المبدع الأوّل، استعارة و تفرّده باستحقاق العبادة،و هو المراد بدفائن العقول و كنوزها ،و استعمال الدفائن هاهنا استعارة لطيفة فإنّه لمّا كانت جواهر العقول و نتائج الأفكار،موجودة في النفوس بالقوّة أشبهت الدفائن فحسن استعارة لفظ الدفينة لها،و لمّا كانت الأنبياء هم الأصل في استخراج تلك الجواهر لإعداد النفوس لإظهارها حسنت إضافة إثارتها إليهم،و كذلك ليرشدهم إلى تحصيل مقدّمات تلك الأدلّة و البراهين و موادّها و هي آيات القدرة الإلهيّة و آثارها من سقف فوقهم محفوظ مرفوع مشتمل على بدائع الصنع و غرائب الحكم،و مهاد تحتهم موضوع فيه ينتشرون و عليه يتصرّفون،و معائش بها يكون قوام حياتهم الدنيا،و بلاغا لمدّة بقائهم لما خلقوا له،و إجال مقدرة بها يكون فناؤهم و رجوعهم إلى بارئهم،و أعظم بالأجل آية رادعة و تقديرا جاذبا