شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٠١ - ذكر مبعث الأنبياء و ذكر ما اختار اللّه لنبيّه
و جذب سائر النفوس الناقصة إلى جناب عزّته بحسب ما أفاضهم من القوّة على ذلك الاستعداد، له و ما منحهم من الكمال الّذي يقتدرون معه على تكميل الناقصين من أبناء نوعهم،و لمّا كانت صورة العهد و أخذ الأمانة في العرف أن يوغر إلى الإنسان بأمر و يؤكّد عليه القيام به بالإيمان و إشهاد الحقّ سبحانه،و كان الحكم الإلهيّ جاريا بإرسال النفوس الإنسانيّة إلى هذا العالم و كان مراد العناية الإلهيّة من ذلك البعث أن يظهر ما في قوّة كلّ نفس من كمال أو تكميل إلى الفعل،و كان ذلك لا يتمّ إلاّ بواسطة بعضها للبعض كان الوجه الّذي بعثت عليه مشبّها للعهد و الميثاق المأخوذ و الأمانة المودعة كلّ لما في قوّته و ما أعدّ له فحسن إطلاق هذه الألفاظ و استعارتها هاهنا.
قوله لمّا بدّل أكثر خلق اللّه عهدهم إليهم فجهلوا حقّه و اتّخذوا الأنداد معه و اجتالتهم الشياطين عن معرفته و اقتطعتهم عن عبادته إلى آخره إشارة إلى وجه الحكمة الإلهيّة في وجود الأنبياء عليهم السّلام و لوازمه و هي شرطيّة متصّلة قدّم فيها التالي لتعلّق ذكر الأنبياء عليهم السّلام بذكر آدم،و التقدير لمّا بدّل أكثر خلق اللّه عهده إليهم اصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم فبعثهم في الخلق،و ذلك العهد هو المشار إليه بقوله تعالى «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» ١الآية قال ابن عبّاس:
لمّا خلق اللّه آدم مسح على ظهره فأخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فقال:
«أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ» ،فنودى يومئذ جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة،و اعلم أنّ أخذ الذريّة يعود إلى إحاطة اللوح المحفوظ بما يكون من وجود النوع الإنساني بأشخاصه،و انتقاشه بذلك عن قلم القضاء الإلهي،و لمّا كان بالإنسان تمام العالمين في الوجود الخارجيّ فكذلك هو في التقدير القضائي المطابق له،و به يكون تمام التقدير و جفاف القلم،و أمّا إشهادهم على نفسهم فيعود إلى إنطاق إمكانهم بلسان الحاجة إليه و أنّه الإله المطلق الّذي لا إله غيره،و أمّا بيان ملازمة الشرطيّة فلأنّه لمّا كان الغالب على الخلق حبّ الدنيا،و الإعراض عن مقتضي الفطرة الأصليّة الّتي فطرهم عليها،و الالتفات عن القبلة الحقيقيّة الّتي امروا بالتوجّه إليها،و ذلك بحسب ما ركبّ فيهم من القوى البدنيّة المتنازعة إلى كمالاتها لا جرم كان من شأن كونهم على هذا التركيب المخصوص