شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٤٩ - كيفيّة خلق العرش و الكرسيّ
السراج القويّ المستطير لمّا كان من شأنه أن يضيء ما حوله و ينتشر في جميع نواحي البيت و يهتدي به من الظلمة كذلك الشمس مضيئة لهذا العالم و يهتدي بها المتصرّف فيه .الخامسة استعارة رقيم استعارة أصليّة للفلك تشبيها له باللوح المرقوم فيه ثمّ كثر استعمال هذا اللفظ في الفلك حتّى صار اسما من أسمائه .
البحث الثالث-
تشبيه اعلم أنّ هذه الاستعارات تستلزم ملاحظة اخرى و هو تشبيه هذا العالم بأسره ببيت واحد فالسماء كقبّة خضراء نصبت على الأرض و جعلت سقفا محفوظا محجوبا عن أن تصل إليه مردة الشياطين كما تحمى غرف البيت بالسهام و الخراب عن مردة اللصوص،ثمّ هو مع غاية علوّه و ارتفاعه غير محمول بعمد يدعمه و لا منظوم بدسار يشدّه بل بقدرة صانعه و مبدعه،ثمّ إنّ القبّة متزيّنة بالكواكب و ضيائها الّذي هو أحسن الزينة و أكملها فلو لم يحصل صور الكواكب في الفلك ليبقى سطحا مظلما فلمّا خلق اللّه تعالى هذه الكواكب المشرقة في سطحه لا جرم استنار و ازدان بذلك النور و الضوء كما قال ابن عبّاس في قوله «بِزِينَةٍ الْكَوٰاكِبِ» أي بضوئها و أنت إذا تأمّلت هذه الكواكب المشرقة المضيئة في سطح الفلك وجدتها عند النظر إليها كجواهر مرصوصة في سطح من زمرّد على أوضاع اقتضتها الحكمة أو كما قال:
و كأنّ أجرام
النجوم لوامعا درر نثرن على بساط أزرق
ثمّ جعل من جملتها كوكبين هما أعظم الكواكب جرما و
أشدّها إشراقا و أتمّها ضياء مع اشتمالهما على تمام الحسن و الزينة جعل أحدهما
ضياء للنهار و الآخر ضياء للّيل ثمّ لم يجعل ذلك السقف ساكنا بل جعله متحرّكا
ليكون أثر صنعه فيه أظهر و صنع حكمته فيه أبدع و لم يجعل ذلك السقف طبقا واحدا بل
طباقا أسكن في كلّ طبق ملاء من جنوده و خواصّ ملكه الّذين ضربت بينهم و بين من
دونهم حجب العزّة و أستار القدرة فلا يستطيع أحد أن ينظر إليهم فضلا عن أن يتشبّه
بمالكهم و خالقهم سبحانه و تعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا هذا هو الحكمة
الظاهرة الّتي يتنبّه لها من له أدنى فطنة فيحصل منها عبرة شاملة لأصناف الخلق بحيث
إذا لاحظوا مع جزئيّ من جزئيّات آثار هذه القدرة أيّ أثر كان استعظم و استحسن من
أيّ ملك فرض من ملوك الدنيا لم يكن بينهما