شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٥٠ - كيفيّة خلق العرش و الكرسيّ
من المناسبة إلاّ خيال ضعيف،فإنّ أيّ ملك فرض إذا همّ بوضع بنيان و بالغ في تحسينه و تزريق سقوفه و ترصيعها بأنواع الجواهر و تزيينه بالأوضاع المعجبة لأبناء نوعه و بذل فيه جهده و استفرغ فيه فكره لم يكن غايته إلاّ أن يلحظ ممّا عمله نسبة خياليّة بعيدة إلى ظاهر هذا الصنع العجيب و الترتيب اللطيف هذا مع ما اشتمل عليه من الحكم الخفيّة و الأسرار الإلهيّة الّتي يعجز القوى البشريّة عن إدراكها و يحتاج فيها لاح منها إلى لطف قريحة و توقدّ ذهن «فَسُبْحٰانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» فانظر أيّها المستبصر بعين بصيرتك المناسبة بين بيتك الّتي تبنيه و هذا البيت العظيم و قس سراجك إلى سراجه و زينتك إلى زينته ثمّ لاحظ مع ذلك أنّه إنّما خلقه لك و لأبناء نوعك ليكون فيه و منه قوام حياتكم و وجودكم و لتستدلّوا بملكوت ما خلق على كمال قدرته و حكمته لترجعوا بذلك إلى حضرته طاهرين من الرجس متشبّهين بسكّان سقف هذا البيت و غرفه لا أنّ له حاجة إليه فإنّه الغنيّ المطلق الّذي لا حاجة به إلى شيء،و العجب من الإنسان أنّه ربما رأى خطّا حسنا أو تزريقا على حائط فلا يزال يتعجّب من حسنه و حذق صانعه ثمّ يرى هذا الصنع العجيب و الإبداع اللطيف فلا يدهشه عظمة صانعه و قدرته و لا يحيّره جلال مبدعه و حكمته .
البحث الرابع-الشرع و البرهان قد
تطابقا على أنّ هاهنا تسع أفلاك بعضها فوق
بعض
فمنها سبع سماوات ثمّ الكرسيّ و العرش بعبارة الناموس الإلهي ثمّ أكثرها يشتمل على الكواكب و هي أجرام نورانيّة مستديرة مصمتة مركوزة في أجرام الأفلاك فأوّل الأفلاك ممّا يلينا ليس فيه من الكواكب إلاّ القمر،و ليس في الثاني إلاّ عطارد،و ليس في الثالث إلاّ الزهرة،و ليس في الرابع إلاّ الشمس،و ليس في الخامس إلاّ المريّخ،و ليس في السادس إلاّ المشتري،و ليس في السابع إلاّ زحل،و هذه هي المسمّاة بالكواكب السبعة السيارة و ما سواها من الكواكب فيشتمل عليها الفلك الثامن،و أمّا التاسع فخال عن الكواكب و إن كان فليس بمدرك لنا،ثمّ قد دلّ البرهان على أنّ الأفلاك هي المتحرّكة بما فيها من الكواكب و أنّ تلك الحركة دوريّة و كان كلامه عليه السّلام مطابقا لذلك حيث قال: في فلك دائر و سقف سائر و رقيم مائر .إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ اللّه سبحانه خلق الموجودات كلّها