شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٣٠ - بيان كونه تعالى بصيرا
و هذه الآلة و إن عدّت كمالا فإنّما هى كمال خاصّ بالحيوان،و كماله بها و إن كان ظاهرا إلاّ أنّه ضعيف قاصر إذ لا يمتدّ إلى ما بعد و لا يتغلغل في باطن و إن قرب بل يتناول الظواهر و يقصر عن البواطن،و قد قيل:إنّ الحظّ الّذي للعبد من البصر أمران،أحدهما أن يعلم أنّه خلق له البصر لينظر إلى الآيات و عجائب ملكوت السماوات فلا يكون نظره إلاّ اعتبارا حكى أنّه قيل لعيسى عليه السّلام هل أحد من الخلق مثلك؟فقال:من كان نظره عبرة و صمته فكرة و كلامه ذكرا فهو مثلي،الثاني أن يعلم أنّه من اللّه بمراى و مسمع فلا يستهين بنظره إليه و إطّلاعه عليه و من أخفى من غير اللّه ما لا يخفيه من اللّه تعالى فقد استهان بنظر اللّه تعالى،إليه و المراقبة إحدى ثمرات الإيمان بهذا الصفة فمن قارب معصيته و هو يعلم أنّ اللّه يراه فما أجرئه و ما أخسره،و من ظنّ أنّ اللّه تعالى لا يراه فما أكفره .
[قوله متوحّد إذ لا سكن يستأنس به و لا يستوحش لفقده.]
قوله متوحّد إذ لا سكن يستأنس به و لا يستوحش لفقده.
أقول:المراد وصفه تعالى بالتفرّد بالوحدانيّة و أشار بقوله إذ لا سكن إلى اعتبار أنّ تفرّده بالوحدانيّة لذاته فهو من تلك الحيثيّة متفرّد بالوحدانيّة لا على وجه الانفراد عن مثل له كما هو المفهوم المتعارف من انفراد بعض الناس عن بعض ممّن عادته مشاركته في مشاوراته و محادثاته،و انفراد أحد المتألّفين من الحيوانات عن الآخر و هو الأنيس الّذي يستأنس بوجوده معه و يستوحش لفقده و غيبته عنه إذ كان الاستيناس و الاستيحاش متعلّقين بميل الطبع إلى الشيء و نفرته عنه و هما من توابع المزاج،و لمّا كان الباري سبحانه منزّها من الجسميّة و المزاج وجب أن يكون منزّها عن الاستيناس و التوحش فهو المنفرد بالوحدانيّة المطلقة لا بالقياس إلى شيء يعقل ذلك التفرّد بالنسبة إليه.و اعلم أنّ القيود الثلاثة الزائدة على قوله فاعل و بصير و متوحّد في الفصول الثلاثة مستلزمة للتنبيه على عظمة اللّه تعالى كما بيّناه في قوله لا بمقارنة و لا بمزائلة ،و ذلك لأنّ الأوهام البشريّة حاكمة بحاجة الفاعل إلى الآلة و البصير إلى وجود المبصر و المتوحّد إلى أن يكون في مقابلته أنيس مثله انفرد عنه،و لمّا كانت ذات اللّه سبحانه منزّهة عن جميع ذلك أراد عليه السّلام كسر الوهم و معارضة أحكامه بتنبيه العقول عليها فذكر هذه القيود الثلاثة و باللّه التوفيق.
الفصل الثاني في نسبة إيجاد العالم
إلى قدرة اللّه تعالى جملا و تفصيلا و في كيفيّة
ذلك و هو اقتصاص في معرض المدح