شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١١٤ - في أنّ القدرة على الشكر نعمة
لها و إن اطلق ذلك في العرف إذ كان من شأن الحقّ المفهوم المتعارف بين الخلق استلزامه وجوب الجزاء و الأداء ليسارعوا إلى الإيتان به رغبة و رهبة فيحصل المقصود من التكليف حتّى لو لم يعتقدوا أنّه حقّ للّه بل هو مجرّد نفع خالص لهم لم يهتمّوا به غاية الاهتمام إذ كانت غايته غير متصوّرة لهم كما هي،و قلمّا تهتمّ النفوس،بأمر لا تتصوّر غايته و منفعته خصوصا مع المشقّة اللازمة في تحمّله إلاّ بباعث قاهر من خارج .
[قوله الّذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن.]
استعارة قوله الّذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن.
أقول:إسناد الغوص هاهنا إلى الفطن على سبيل الاستعارة إذ الحقيقة إسناده إلى الحيوان بالنسبة إلى الماء و هو مستلزم لتشبيه المعقولات بالماء،و وجه الاستعارة هاهنا أنّ صفات الجلال و نعوت الكمال لمّا كانت في عدم تناهيها و الوقوف على حقائقها و أغوارها تشبه البحر الخضم الّذي لا يصل السائح له إلى ساحل،و لا ينتهي الغائص فيه إلى قرار،و كان السائح لذلك البحر و الحائض في تيّاره هى الفطن الثاقبة لا جرم كانت الفطنة شبيهة بالغائص في البحر فأسند الغوص إليها،و في معناه الغوص في الفكر و الغوص في النوم،و يقرب منه إسناد الإدراك إلى بعد الهمم إذ كان الإدراك حقيقة في لحقوق جسم لجسم آخر و إضافة الغوص إلى الفطن و البعد إلى الهم إضافة لمعنى الصفة بلفظ المصدر إلى الموصوف،و التقدير لا تناله الفطن الغائصة و لا تدركه الهمم البعيدة،و وجه الحسن في هذه الإضافة و تقديم الصفة أنّ المقصود لمّا كان هو المبالغة في عدم إصابة ذاته تعالى بالفطنة من حيث هى ذات غوص و بالهمّة من حيث هى بعيدة كانت تلك الحيثيّة مقصودة بالقصد الأوّل،و قد بيّنا أنّ البلاغة تقتضي تقديم الأهمّ و المقصود الأوّل على ما ليس كذلك ،و برهان هذا المطلوب ظاهر فإنّ حقيقته تعالى لمّا كانت بريّة عن جهات التركيبات عريّة عن اختلاف الجهات مترعة عن تكثّر المتكثّرات،و كانت الأشياء إنّما تعلم بما هى من جهة حدودها المؤلّفة من أجزائها فإذن صدق أنّ واجب الوجود ليس بمركّب و ما ليس بمركّب ليس بمدرك الحقيقة و صدق أنّ واجب الوجود ليس بمدرك الحقيقة فلا تدركه همّة و إن بعدت و لا تناله فطنة و إن اشتدّت فكلّ سائح في بحار جلاله غريق فكلّ مدّع للوصول فبأنوار كبريائه حريق «لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ» «سُبْحٰانَهُ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً » .