شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١١٦ - في أنّ القدرة على الشكر نعمة
تعالى إن أوجد الزمان و هو في الزمان لزم كون الزمان متقدّما على نفسه و إن أوجده بدون أن يكون فيه كان غنيّا في وجوده عنه فهو المطلوب فإذن صدق هذين السلبين في حقّه معلوم، السجع المتوازي-التجنيس و قد حصل في هذه القرائن الأربع السجع المتوازي مع نوع من التجنيس .
[قوله الّذي فطر الخلائق بقدرته و نشر الرياح برحمته .]
قوله الّذي فطر الخلائق بقدرته و نشر الرياح برحمته و وتد بالصخور ميدان أرضه.
أقول:لمّا قدّم الصفات السلبيّة شرع في الصفات الثبوتيّة و هذه الاعتبارات الثلاثة موجودة في القرآن الكريم أمّا الأوّل فقوله تعالى «الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» ١و أمّا الثاني فقوله تعالى «وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيٰاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» ٢و أمّا الثالث فقوله تعالى «وَ أَلْقىٰ فِي الْأَرْضِ رَوٰاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» ٣و قوله «وَ الْجِبٰالَ أَوْتٰاداً» ٤أمّا المراد استعارة بقوله فطر الخلائق بقدرته فاعتباره من حيث استناد المخلوقات إلى قدرته و وجودها عنها، و لمّا كانت حقيقة الفطر الشقّ في الأجسام كانت نسبته هاهنا إلى الخلق استعارة،و للإمام فخر الدين في بيان وجه الاستعارة في أمثال هذا الموضع بحث لطيف قال:و ذلك أنّ المخلوق قبل دخوله في الوجود كان معدودا محضا و العقل يتصوّر من العدم ظلمة متّصلة لا انفراج فيها و لا شقّ،فإذا أخرج الموجد المبتدع من العدم إلى الوجود فكأنّه بحسب التخيّل و التوهّم شقّ ذلك العدم و فطره و أخرج ذلك الموجود منه.قلت:إلاّ أنّ ذلك الشقّ و الفطر على هذا التقدير لا يكون للموجود المخرج بل للعدم الّذي خرج هذا الموجود منه اللّهم إلاّ على تقدير حذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه حتّى يكون التقدير الّذي فطر عدم الخلائق.و هو استعمال شائع في العرف و العربيّة كثيرا و حسنه بين الناس ظاهر و مثله فالق الحبّ و النوى على قول بعض المفسّرين كما سنبيّنه ،و قال ابن الأنباري:لمّا كان أصل الفطر شقّ الشيء عند ابتدائه فقوله فطر الخلائق أي خلقهم و أنشأهم بالتركيب و التأليف الّذي سبيله أن يحصل فيه الشقّ و التأليف عند ضمّ بعض الأشياء إلى بعض، ثمّ إنّ الفطر كما يكون شقّ إصلاح كقوله تعالى «فٰاطِرِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ» كذلك يكون شقّ إفساد كقوله تعالى