المقبولة الحسينية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٤٦ - أوجز الأنباء في مقتل سيد الشهداء
ثُمَّ أَحْدَقُوُا بِالْحُسَيْنِ عليه السلام مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَأَحاطُوْا بِهِ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ، وَلَمْ يَسْتَحُوْا مِنْ غُرْبَتِهِ وَانْفِرادِهِ وَفَقْدِ أَنْصارِهِ وَأَوْلادِهِ، وَأَسْرَعُوْا إِلى حِمى اللهِ ليَهْتِكُوْهُ، وَإلى دَمِ الْمُصْطَفى ليَسْفِكُوْهُ، حَتَّى أَثْخَنُوْهُ بالجِراحِ، وَجَعَلُوْا جِسْمَهُ المُقَدَّسَ طُعْمَةً لِلسُّيْوفِ وَالرِّماحِ، وَهُوَ صابِرٌ مُحْتَسِبٌ، يُدافِعُ عَنْ نَفْسِهِ وَحَرَمِهِ، قَدْ فَطَرَ كَبِدَهُ الظَّما، وَخُضِّبَتْ كَرِيَمَتُهُ الشَّرْيفَةُ بالدِّماءِ، إِلى أَنْ نَكَّسُوْهُ عَنْ جَوادِهِ صَرِيْعاً عَلى وَجْهِ الثَّرى، عَلى وَجْهِهِ الْعَزْيِزِ عَلى اللهِ, الْعَزِيْزِ عَلى جَدِّهِ وَأَبِيْهِ، الْعَزِيْزَ على أَنْبياءِ اللهِ وَأَوْلِيائِهِ ومَلائِكَتهِ، وَهُوَ يَجُوْدُ بِنَفْسِهِ، وَيَنْقَلِبُ يَمِيْناً وَشِمْالاً، قَدْ رَشَحَ لِلْمَوْتِ جَبِيْنُهُ، وَسَكَنَ أَنِيْنُهُ، فأسْرَعَ جَوادُهُ إِلى الخِيامِ مُحَمْحِماً باكِياً، وَبِصَهِيْلِهِ شاكِياً ناعِياً، وَلَمّا رَأَيْنَهُ مُخَدَّراتُ الْعِصْمَةِ وَوَدائِعُ النُّبُوَّةِ والرَّحْمَةِ، خَرَجْنَ مِنَ الْخُدُوْرِ، يَدْعُوْنَ بالَوْيلِ والثُّبُوْرِ.
ثُمَّ احْتَزُّوْا رَأْسَهُ الْمُقدَّسَ الْمُعَظَّمَ، رَأْسَ رَئِيْس الْمُسْلِمِيْنَ وَسَيّدِ شَبابِ أَهْلِ الْجَنَةِ، وَإنَّهُ لَيُكَلِّمُهُمْ وَيَطْلِبُ مِنْهُمْ شَرْبَةً مِنَ الْمَاءِ الْمُباحِ، فَيَقُوْلُوْنَ لَهُ: لا تَذُوْقُ الماءَ أبا عَبْدِ اللهِ.
ثُمَّ هَجَمُوْا على خِيامِ آلِ الرَّسُوْلِ وَبَناتِ الزَّهْراءِ البَتُوْلِ، يَنْتَهِكُوْنَ الأَسْتارَ وَالْمَقانِعَ، وَيَنْتَزِعُوْنَ الأقْراطَ وَالْمَلاحِفَ، وَقَدْ تَرَكُوْا تِلْكَ الْجُثَثَ الطَّواهِرَ وَالأَجْسادَ الزَّواكِيَ عارِيَةً عَلى الثَّرى فِيْ رَمْضاءِ الْهَجِيْرِ، تَنْتابُها العَواسِل، وَتُعَفِّرُها أُمَّهاتُ الْفَراعِل، وَحَمَلُوْا الُرُّؤْوسَ الطّاهِرَةَ عَلى رِماحٍ تَعْتَذِرُ بِلسانِ الْحالِ إِلَيْها، وَتكادُ أَنْ تُقَبِّلَ الأَرْضَ بَيْنَ يَديْها. وَأمَرُوْا بِذلِكَ