المقبولة الحسينية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٤٥ - أوجز الأنباء في مقتل سيد الشهداء
وَلَمّا لَمْ يَبْقَ مَعَه سِوى أَهلِ بَيْتِه وَهمْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلاً خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْن، وَكانَ مِنْ أَصْبَحِ النّاسِ وَجْهاً وَأَحْسَنِهِمْ خَلْقاً وَأَشْبَهِهِمْ بِجَدِّهِ رَسُوْلِ اللهِ ٥، فَاسْتَأْذَنَ أَباهُ في القِتالِ فَأَذِنَ لَهُ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ نظرَ آيِسٍ مِنْهُ وَأَرْخى عَيْنَيْهِ بالدُّمُوْعِ، وَقالَ: يا ابن سِعْدٍ قَطَعَ اللهُ رَحِمَكَ كَما قَطَعْتَ رَحِمِيْ.
فَقاتَلَ قِتالَ الأَبْطال، وَأنْزَلَ بِهِمُ الْوَيْلَ وَالنَّكال، وَهُوَ في تِلْكَ الحْالِ يَطْلُبُ شَرْبَةً مِنَ الماءِ فَلا يَجِدُ إِليْها سَبِيْلاً، حَتّى صُرِعَ فَنادى: يا أَبَتاهُ، هذا جَدّيْ رَسُوْلُ اللهِ يُقْرِئُكَ السَّلامَ.
فَجاءَهُ الحُسَيْنُ، وَوَضَعَ خَدَّهُ على خَدِّهِ وَقالَ: قَتلَ اللهُ قَوْماً قَتَلُوْكَ، يا بُنيَّ ما أَجْرَأَهُمْ عَلى الرَّحْمنِ وَعلى انْتِهاكِ حُرْمَةِ الرَّسُوْلِ، عَلى الدُّنْيا بَعْدَك الْعَفا.
ثُمَّ صارَ أَهْلُ بَيْتِهِ يَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بَعْدَ الرَّجُلِ، حَتّى قُتِلَ جَماعَةٌ مِنْهُمْ، فَصاحَ الْحُسَيْنُعليه السلام: صَبْراً يا بَنِيْ عُمُوْمَتِيْ، صَبْراً أَهلَ بَيْتي، فَلا رَأَيْتُمْ هَواناً بَعْدَ هذا الْيَوْمِ. ثُمَّ قَالَ: هَوَّنَ ما نَزَلَ بِيْ أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ.
وَاشْتَدَّ الْعَطَشُ بِالْحُسَيْنِ، فَرَكِبَ الْمُسَنّاةَ يُرِيْدُ الْفُراتَ، وَأَخُوْهُ الْعَبّاسُ بَيْنَ يَدِيْهِ يَحْصِدُ الرُّؤُوْسَ وَيُزْهِقُ النُّفُوْسَ، وَيقْتُلُ الأَبْطالَ، وَيَلِفُّ الرِّجالَ بِالرِّجالِ، فَلَمْ يَزالُوْا بِهِ حَتّى قَطَعُوْا يَدَيْهِ، وَأحاطُوْا بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَبَكى الْحُسَيْنُ عليه السلام لِقَتْلِهِ بُكاءً شَدِيْداً.