كتاب الصلاة - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٢ - مقدمة
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الصلاة هي عمود الدين، إن قُبلت قُبل ما سواها و إن رُدت رُد ما سواها، و بها للصدور المصدوعة المكلومة شفاء، و بها نهي النفس الأمارة بالسوء عن المنكر و الفحشاء. فيا لها من عملٍ جليل هو فعلًا ذو أثرٍ جميل، تعرجُ به النفس نحو الملكوت الأعلى، و تستنشق به شذا السعادة المثلى التي يركض لها المتقون، و المنهل العذب الذي يكرع من رحيقه الصالحون حيث يقف المصلي امام الجلال و الجبروت، أمام ربه و خالقه بخضوعٍ و خشوع ثمّ يتصوّر عظمته و عزتَهُ و جلالَهُ و نعَمِه و جَماله و آلاءهُ و ألطافه، و يقيسه بسائر الكائنات و الموجودات فيقول (اللّه أكبر) صرخة في وجه من طغى و تكبَّر، ثمَّ يستعين به على حمده و الشكر على المزيد من رحمته و الثناء على سمو قداسته بقوله (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، ثمّ يتصوّر ألطافه السابقة و أياديه الواسعة و جلائل نعمه الظاهرة و الباطنة فيحمده قائلًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ) واصفاً له بأجلى نعوته فيقول (رَبِّ الْعالَمِينَ) ثمّ يدرك الحنان و الرحمة من ذلك المبدأ الفيّاض عليه و على العالمين فيقول (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فهو إليه ترجع السعادة الأبدية و الشقاء الخالد، ثمّ سوقه الشعور بالواجب الى البراءة عمن سواه ممن ألبسه الجهل و الغباوة الإلهية و أنه هو المحمود بتلك الصفات العظيمة المخصوص بتلك العبادة الجليلة، لا ما ينحتونه من الأصنام و الأوثان لقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فيستعين بتلك الرحمة المطلقة و السلطان القاهر على كل ما لا يستطيع له صُنْعا و لا يقدر عليه استقلالًا، و كيف يستعين بغيره من مصنوع كيَّفه الهوى و نحته الخيال و هو جلت عظمته و علا سلطانه بيده ملكوت السموات و الأرض و إليه تُرْجَعُ الْأُمُورُ* و تتبدل الأحوال، ثمّ يستجدي ذلك الرب للعالمين المالك ليوم الدين يستجديه الهداية الى الصراط الذي يوصله لسعادة الدارين و الفوز بالنشأتين ذلك الصراط المستقيم صراط الهداية و الرشاد بقوله (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) فإنه خير ما يرغب إليه الراغبون و يتطلبه الطالبون، ثمّ حرصاً على الوصول الى الغاية يخص ذلك الصراط بنعتٍ آخر يوجّه إليه دون ما عداه بقوله (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) و حيث إن نعمه شاملة للضال و المهتدي و المغضوب عليه و المرْضي عنه خصَّ الذين أنعم عليهم بقوله (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ).
ثمّ إذا انتهى به الحديث في الوصف و الطلب صَعقَهُ ذلك الجلال و راعته تلك الهيبة انحنى راكعاً خاشعاً مستشعراً لعظمةٍ لا توصف منزهاً لها في حمدهِ قائلًا (سبحان ربي العظيم و بحمده)