سفينة النجاة و مشكاة الهدي و مصباح السعادات - كاشف الغطاء، الشيخ أحمد - الصفحة ١٥٩
انظر أولا إلى أول مقدمة من مقدمات الصلاة و هي النظافة و الطهارة و لما كان الصانع الحكيم قد جعل لهذا البدن غشاء يستر لحمه و عروقه و أعصابه و جميع مقوماته و هو الجلد الذي هو لهذا الهيكل الجسماني كالدرع الحصين يقيه من العوارض الكونية من حر أو برد أو غبار أو هوام و نحو ذلك و جعله ذا مسام لتكمل به منفعة الجسد فيخرج منها البخار و العرق و الغازات و سائر الفضلات التي يستريح الجسم بخروجها منه و يستطيع كل عضو منه بل كل ذرة و طاقة على أداء وظيفتها التي كونت من اجلها كانت تلك المسام التي لا يزال يخرج العرق منها و البخار المتكون من الحرارة الغريزية الداخلية أو العوامل الخارجية معرضة للانسداد و الالتحام بما يتراكم عليها من تلك الفضلات و انسدادها يوجب تخلف القسم الكبير منها داخل البدن و كلما تزايدت عليه الأقذار من تراكم الغبار و الهواء و الهباء من الخارج و العرق و البخار من الداخل من الخلايا القرنية و المواد الدهنية بعد تبخر مائها و زواله انسدت تلك المسام الجلدية التي ربما تعد بالملايين و لم تقدر على أداء وظيفتها من إفراز الضار و جذب النافع فيخل بذلك بسائر الأعضاء و تعوقها اجمع عن القيام بوظائفها حتى الرئيسين القلب و الرئة بل و حتى الرئيس الأعظم و هو الدماغ و تحدث الأمراض العصبية في شتى الجهات من البدن و تحدث في طليعتها الحكة و الالتهاب و انتشار الروائح الكريهة و الأنفاس المتعفنة المخمرة بجراثيم الجلد و جذوره الفاسدة تلك الروائح التي قد يشمها الجليس فيشمئز منها و يتقزز و تختنق أنفاسه تلك الروائح التي يزداد انتشارها في حرارة الوقت و عند ازدحام المجتمعات في النوادي و الحفلات أو في الحضرات و المساجد و المعابد و لا سيما في مواسم الزيارات، أ فليس من الحكمة البالغة حينئذ و من الدليل على سعة علم الشارع الحكيم و احاطته تشريع النظافة و الطهارة مقدمة للصلاة لطهارة البدن فقط بل طهارة البدن و الثياب و المكان و كل ما يلابس الإنسان ثمّ انظر إلى عظيم العناية و سعة العلم و عميق الحكمة فقد علم جلت حكمته ان الاقذار و الأكدار من البخار و الغبار المحيطة بالبدن في كل وقت في يقظته و نومه و كل حركاته تراكم هذه الأوساخ من داخل البدن و خارجه لا يكفي لإزالتها الغسل مرة أو مرتين