روضة الواعظين و بصيرة المتعظين( ط- القديمة) - الفتّال النيشابوري، ابو علي - الصفحة ٣٠
و الثالث بمعنى الأمر و الإلزام لقوله تعالى وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ. و الرابع بمعنى الإخبار و الإعلام كقوله تعالى وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ و لا يجوز أن تكون أفعالنا بقضاء الله بمعنى أنه خلقها لأنها فعلنا و الفعل الواحد لا يكون من فاعلين فأما القضاء بمعنى الحكم و الإلزام فلا يجوز إجماعا. و أما القضاء بمعنى الإخبار و الإعلام يجوز أن يقال على ضرب من التقييد لأن الله أخبر و أعلم ما لنا في فعل الطاعة من الثواب و ما علينا بفعل المعاصي من العقاب.
وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي وَ لَمْ يَشْكُرْ عَلَى نَعْمَائِي وَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَتَّخِذْ رَبّاً سِوَايَ.
فلو كانت المعاصي بقضاء الله و إحداثه لوجب الرضا به و ذلك خلاف الإجماع و القول في القدر على مثل ذلك لأن القدر يستعمل بمعنى الإحداث و الخلق كما قال تعالى وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ و قد يستعمل القدر بمعنى التقدير فعلى هذا يجوز أن يقال أفعالنا بقدر الله بمعنى أنه قدر ما عليها من الثواب و العقاب فينبغي أن يقيد القول و لا يطلق.
باب الكلام فيما ورد من الأخبار في معنى العدل و التوحيد
اعلم أن أصول التوحيد و العدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين ع و خطبه فإنها تتضمن ذلك ما لا مزيد عليه و لا غاية وراه و من تأمل المأثور في ذلك علم أن جميع ما أطنب المتكلمون في تصانيفهم تفصيل لتلك الأصول. و روي عن الأئمة ع مثل ذلك.
: قِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ قَالَ بِمَا عَرَّفَنِي رَبِّي قِيلَ وَ كَيْفَ عَرَّفَكَ قَالَ لَا تَشْبَهُهُ صُورَةٌ وَ لَا يُحَسُّ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا يُقَاسُ بِقِيَاسِ النَّاسِ.
وَ قَالَ أَيْضاً ع عَرَفْتُ رَبِّي بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَ حَلِّ الْعُقُودِ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ مَعْنَاهُ بِنَصْبِ أَدِلَّتِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَ الرَّسُولَ بِالرِّسَالَةِ وَ أُولِي الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ وَ بِالْمَعْرُوفِ وَ الْعَدْلِ وَ الْإِحْسَانِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع قَامَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا ذَا عَرَفْتَ رَبَّكَ قَالَ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَ مَنْعِ الْهِمَّةِ لَمَّا أَنْ هَمَمْتُ بِأَمْرٍ فَحَالَ بَيْنِي وَ بَيْنَ هِمَّتِي وَ عَزَمْتُ فَخَالَفَ الْقَضَاءُ عَزْمِي عَلِمْتُ أَنَّ الْمُدَبِّرَ غَيْرِي