روضة الواعظين و بصيرة المتعظين( ط- القديمة) - الفتّال النيشابوري، ابو علي - الصفحة ١٧٦
إِلَيْهِ فَشَدَّ عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ فَاخْتَلَفَ هُوَ وَ بَكْرُ بْنُ حُمْرَانَ الْأَحْمَرِيُّ فَضَرَبَ فَمَ مُسْلِمٍ فَقَطَعَ شَفَتَهُ الْعُلْيَا وَ أَسْرَعَ فِي السُّفْلَى وَ نَصَلَتْ ثَنِيَّتَاهُ فَضَرَبَهُ مُسْلِمٌ فِي رَأْسِهِ ضَرْبَةً مُنْكَرَةً وَ ثَنَّاهُ بِأُخْرَى عَلَى حَبْلِ الْعَاتِقِ كَادَتْ تَطْلُعُ عَلَى جَوْفِهِ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَشْرَفُوا عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِ الْبَيْتِ فَأَخَذُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ وَ يُلِهُبونَ النَّارَ فِي أَطْنَابِ الْقَصَبِ ثُمَّ يُلْقُونَهَا عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِ الْبَيْتِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مُصْلِتاً بِسَيْفِهِ فِي السِّكَّةِ وَ قَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ لَكَ الْأَمَانُ لَا تَقْتُلْ نَفْسَكَ وَ هُوَ يُقَاتِلُهُمْ وَ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ
|
أَقْسَمْتُ لَا أُقْتَلُ إِلَّا حُرّاً |
وَ إِنْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ شَيْئاً نُكْراً |
|
|
وَ أَخْلُطُ الْبَارِدَ سُخْناً مُرّاً |
رَدَّ شُعَاعِ الشَّمْسِ فَاسْتَقَرَّا |
|
|
كُلُّ امْرِئٍ يَوْماً مُلَاقٍ شَرّاً |
أَخَافُ أَنْ أُكْذَبَ أَوْ أُغَرَّا |
|
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ إِنَّكَ لَا تُكْذَبُ وَ لَا تُغَرُّ وَ لَا تُخْدَعُ إِنَّ الْقَوْمَ بَنُو عَمِّكَ وَ لَيْسُوا بِقَاتِلِيكَ وَ لَا ضَارِّيكَ وَ قَدْ عَجَزَ عَنِ الْقِتَالِ فَابْتَهَرَ وَ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى جَنْبِ تِلْكَ الدَّارِ فَأَعَادَ ابْنُ الْأَشْعَثِ عَلَيْهِ الْقَوْلَ لَكَ الْأَمَانُ فَقَالَ آمِنٌ أَنَا فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ مَعَهُ لِيَ الْأَمَانُ فَقَالُوا لَهُ نَعَمْ إِلَّا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ السُّلَمِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا نَاقَةَ لِي فِي هَذَا وَ لَا جَمَلَ وَ تَنَحَّى فَقَالَ مُسْلِمٌ أَمَّا لَوْ لَمْ تُؤْمِنُونِي مَا وَضَعْتُ يَدِي فِي أَيْدِيكُمْ وَ أُتِيَ بِبَغْلَةٍ فَحُمِلَ عَلَيْهَا وَ اجْتَمَعُوا حَوْلَهُ وَ انْتَزَعُوا سَيْفَهُ فَكَأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَئِسَ مِنْ نَفْسِهِ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْكَ بَأْسٌ فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا الرَّجَاءُ أَيْنَ أَمَانُكُمْ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ بَكَى فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ السُّلَمِيُّ إِنَّ الَّذِي يَطْلُبُ مِثْلَ الَّذِي تَطْلُبُ إِذَا نَزَلَ بِهِ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِكَ لَمْ يَبْكِ فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنِّي مَا لِنَفْسِي بَكَيْتُ وَ لَا لَهَا مِنَ الْقَتْلِ أَرْثِي وَ إِنْ كُنْتُ لَمْ أُحِبَّ لَهَا طَرْفَةَ عَيْنٍ تَلَفاً وَ لَكِنِّي أَبْكِي لِأَهْلِيَ الْمُقْبِلِينَ إِلَيَّ أَبْكِي لِلْحُسَيْنِ وَ آلِ الْحُسَيْنِ ص ثُمَّ أَقْبَلَ بِابْنِ عَقِيلٍ إِلَى بَابِ الْقَصْرِ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ ابْنِ عَقِيلٍ وَ ذَكَرَ مَا كَانَ مِنْ أَمَانِهِ لَهُ فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَ مَا أَنْتَ وَ الْأَمَانُ كَأَنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ لِتَأْتِيَنَا بِهِ فَسَكَتَ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَ انْتَهَى بِابْنِ عَقِيلٍ إِلَى بَابِ الْقَصْرِ وَ قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ فَقَالَ اسْقُونِي مِنْ هَذَا الْمَاءِ وَ تَسَانَدَ إِلَى حَائِطٍ وَ بَعَثَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ غُلَاماً فَجَاءَهُ بِقُلَّةٍ عَلَيْهَا مِنْدِيلٌ وَ قَدَحٌ فَصَبَّ فِيهِ مَاءً فَقَالَ لَهُ اشْرَبْ فَأَخَذَ كُلَّمَا شَرِبَ امْتَلَأَ الْقَدَحُ دَماً مِنْ فَمِهِ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَشْرَبَ فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَلَمَّا ذَهَبَ فِي الثَّالِثَةِ لِيَشْرَبَهُ سَقَطَتْ ثَنِيَّتَاهُ