روضة الواعظين و بصيرة المتعظين( ط- القديمة) - الفتّال النيشابوري، ابو علي - الصفحة ٢١٤
كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ فَصَرَفَهُ عَنْ خِدْمَتِهِ وَ كَانَ الْغُلَامُ يَعْرِفُ مَيْلَ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع وَ يَقِفُ عَلَى مَا يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ مَالٍ وَ ثِيَابٍ وَ أَلْطَافٍ وَ غَيْرِ ذَلِكَ فَسَعَى بِهِ إِلَى الرَّشِيدِ فَقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ بِإِمَامَةِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَ يَحْمِلُ إِلَيْهِ خُمُسَ مَالِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَ قَدْ حَمَلَ إِلَيْهِ الدُّرَّاعَةَ الَّتِي أَكْرَمَهُ بِهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي وَقْتِ كَذَا وَ كَذَا فَاسْتَشَاطَ الرَّشِيدُ لِذَلِكَ وَ غَضِبَ غَضَباً شَدِيداً وَ قَالَ لَأَكْشِفَنَّ عَنْ هَذِهِ الْحَالِ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ أَزْهَقْتُ نَفْسَهُ فَأَنْفَذَ فِي الْوَقْتِ بِإِحْضَارِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ مَا فَعَلْتَ بِالدُّرَّاعَةِ الَّتِي كَسَوْتُكَ بِهَا قَالَ هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدِي فِي سَفَطٍ مَخْتُومٍ فِيهَا طِيبٌ قَدِ احْتَفَظْتُ بِهَا وَ كُلَّمَا أَصْبَحْتُ فَتَحْتُ السَّفَطَ وَ نَظَرْتُ إِلَيْهَا تَبَرُّكاً بِهَا وَ قَبَّلْتُهَا وَ رَدَدْتُهَا إِلَى مَوْضِعِهَا وَ كُلَّمَا أَمْسَيْتُ صَنَعْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ أَحْضِرْهَا السَّاعَةَ قَالَ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَدْعَى بَعْضَ خَدَمِهِ فَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى الْبَيْتِ الْفُلَانِيِّ مِنْ دَارِي وَ خُذْ مِفْتَاحَهُ مِنْ خَازِنِي فَافْتَحْهُ ثُمَّ افْتَحِ الصُّنْدُوقَ الْفُلَانِيَّ فَجِئْنِي بِالسَّفَطِ الَّذِي فِيهِ بِخَتْمِهِ فَلَمْ يَلْبَثِ الْغُلَامُ أَنْ جَاءَ بِالسَّفَطِ مَخْتُوماً فَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشِيدِ فَأَمَرَ بِكَسْرِ خَتْمِهِ وَ فَتْحِهِ فَلَمَّا فَتَحَ نَظَرَ إِلَى الدُّرَّاعَةِ فِيهَا بِحَالِهَا مَطْوِيَّةً مَدْفُونَةً بِالطِّيبِ فَسَكَنَ الرَّشِيدُ مِنْ غَضَبِهِ ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ ارْدُدْهَا إِلَى مَكَانِهَا وَ انْصَرِفْ رَاشِداً فَلَنْ أُصَدِّقَ عَلَيْكَ بَعْدَهَا سَاعِياً وَ أَمَرَ أَنْ يُتْبَعَ بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ وَ تَقَدَّمَ بِضَرْبِ السَّاعِي أَلْفَ سَوْطٍ فَضُرِبَ نَحْوَ الْخَمْسِمِائَةِ سَوْطٍ فَمَاتَ فِي ذَلِكَ.
وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ الْبَطَائِنِيُّ قَالَ: خَرَجَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى الْكَاظِمُ ع فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى ضَيْعَةٍ لَهُ خَارِجَةٍ عَنْهَا فَصَحِبْتُهُ وَ كَانَ ع رَاكِباً بَغْلَةً وَ أَنَا عَلَى حِمَارٍ لِي فَلَمَّا صِرْنَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ اعْتَرَضَنَا أَسَدٌ فَأَحْجَمْتُ خَوْفاً فَأَقْدَمَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى ع غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ فَرَأَيْتُ الْأَسَدَ يَتَذَلَّلُ لِأَبِي الْحَسَنِ ع فَوَقَفَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ ع كَالْمُصْغِي إِلَى هَمْهَمَتِهِ وَ وَضَعَ الْأَسَدُ يَدَيْهِ عَلَى كَفَلِ بَغْلَتِهِ وَ قَدْ هَمَّتْنِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ خِفْتُ خَوْفاً عَظِيماً ثُمَّ تَنَحَّى الْأَسَدُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ وَ حَوَّلَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى وَجْهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَ جَعَلَ يَدْعُو وَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِمَا لَمْ أَفْهَمْهُ ثُمَّ أَوْمَى إِلَى الْأَسَدِ بِيَدِهِ أَنْ امْضِ فَهَمْهَمَ الْأَسَدُ هَمْهَمَةً طَوِيلَةً وَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ آمِينَ آمِينَ وَ انْصَرَفَ الْأَسَدُ حَتَّى غَابَ مِنْ أَعْيُنِنَا وَ مَضَى أَبُو الْحَسَنِ ع لِوَجْهِهِ وَ اتَّبَعْتُهُ فَلَمَّا بَعُدْنَا عَنِ الْمَوْضِعِ لَحِقْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ فِدَاكَ نَفْسِي مَا شَأْنُ هَذَا الْأَسَدِ فَلَقَدْ خِفْتُهُ عَلَيْكَ