التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٥٣
بماء المطر ، ولأن التفصيل قاطع للشركة وقد فصّل الله سبحانه بين الوجه واليدين والرأس والرجلين ، فأمر بالمسح في الثانيتين ، وهذا يدلنا على عدم وجوبه في الاُوليين ، وعليه يكون الأمر بالغسل مسحاً محمولاً على الأمر باختيار أفضل الأفراد فهو أمر استحبابي لا محالة . والنتيجة أنه لم يدلنا دليل على وجوب كون الغسل من الأعلى إلى الأسفل .
هذا ولكن الصحيح عدم ورود هذه المناقشة على الاستدلال بالرواية ، وذلك لما بيّناه غير مرة من أن الوجوب والاستحباب خارجان عن مدلول الصيغة ، فان صيغة الأمر لا تستعمل في معنيين ، بل إنما تستعمل في معنى واحد دائماً ، والعقل ينتزع منها الوجوب مرّة والاستحباب اُخرى ، وخصوصية الاستحباب إنما تنتزع من اقتران الصيغة بالترخيص في الترك كما ينتزع الوجوب من عدم اقترانها به ، فاذا استعملت ولم تكن مقترنة به فالعقل ينتزع منها الوجوب ويستقل باستحقاق العقوبة على الترك .
ومن هنا قلنا إن الأمر بغسل الجمعة والجنابة في رواية واحدة "اغتسل للجمعة والجنابة" [١] قد استعمل في معنى فارد ، ولكن القرينة قامت على الترخيص في الترك في أحدهما فحكمنا باستحبابه ، ولم تقم في الآخر فحكمنا بوجوبه ، وقيام القرينة على الترخيص في الترك في أحدهما غير مانع عن دلالة الأمر بالوجوب ـ على التقريب المتقدِّم ـ في الآخر ، لوجود الفارق بينهما وهو قيام القرينة على الترخيص في الترك وإن كان المستعمل فيه في كليهما شيئاً واحداً ، هذا كلّه في حال الأمر بالاضافة إلى الأفراد .
ومنه يظهر الحال بالنسبة إلى الأجزاء والقيود ، كما إذا أمر المولى باكرام جماعة من
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] لم نعثر على هذه الرواية في مظانها ، نعم هناك رواية اُخرى وهي صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : "اغتسل يوم الأضحى والفطر والجمعة . وإذا غسلت ميتاً ، ولا تغتسل من مسه إذا أدخلته القبر ، ولا إذا حملته" المروية في الوسائل ٣ : ٣٠٦ / أبواب الاغسال المسنونة ب ١ ح ٩ وغيرها .