التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٣٩٤
لا يسع للمتوضئ أن يقدِّم ما هو متأخِّر أو يؤخِّر ما هو متقدِّم منها .
وثالثاً : أ نّا لو سلمنا أن قوله (عليه السلام) "يتبع بعضه بعضاً" بمعنى الموالاة في الوضوء ، فلا مناص من حمله على الموالاة بمعنى جفاف الأعضاء السابقة ، لأن موردها إنما هو الناسي وهو غير مكلف بالموالاة حسبما تقتضيه الموثقة والصحيحة المتقدِّمتان ، وإنما موالاته بمعنى عدم جفاف الأعضاء السابقة ، وقد تقدم أنه تعبدي في الجملة كما أنه في الجملة أيضاً موافق للذوق العرفي ، لأن العرف يرى استمرار العمل وعدم انقطاعه عما تقدم ما دامت الرطوبة باقية على أعضاء الوضوء ، ومع ورود الرواية في مورد النسيان كيف يحمل ذيلها على العامد وغير الناسي . إذن لا مجال لحمل التبعية فيها على الموالاة العرفية حتى يحمل على العامد لمنافاته مورد الرواية كما عرفت .
الثانية : صحيحة زرارة قال "قال أبو جعفر: تابع بين الوضوء كما قال الله عزّ وجلّ ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين ، ولا تقدِّمن شيئاً بين يدي شيء ..." [١] مدعياً أن كلمة "تابع" بمعنى الاتيان بالأجزاء متوالية .
ويدفعه : أن كلمة "تابع" في الصحيحة ليست بمعنى الموالاة قطعاً ، لأنه (عليه السلام) استشهد بقول الله عزّ وجلّ ، مع وضوح أن الآية المباركة أجنبية عن الدلالة على اعتبار الموالاة العرفية . بل ذكرنا أن مقتضى إطلاقها كبقية الأخبار المطلقة عدم اعتبار الموالاة في الوضوء كما هي غير معتبرة في الغسل ، بل إنما هي بمعنى الترتيب لأنه الذي ذكره الله سبحانه بقوله "فاغسلوا وجوهكم ..." ومن ثمة قال (عليه السلام) "ابدأ بالوجه ..." .
وعلى الجملة قد يراد بالاتباع الاتيان بالأجزاء متوالية ، وقد يراد منه الاتيان بالأجزاء بعضها بعد بعض وإن لم تكن متوالية ، وقد عرفت أن الأول غير مراد في الصحيحة ، وحيث إن الوضوء متركب من اُمور متعدِّدة لا يمكن الاتيان بها مرّة
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] الوسائل ١ : ٤٤٨ / أبواب الوضوء ب ٣٤ ح ١ .