التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٢٦٦
نعم ، لو كانت الصحيحة هكذا : التقيّة في كل شيء ، وكل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له ، أمكن أن يقال : إنها اشتملت على كبريين إحداهما : التقيّة في كل شيء ، سواء أ كانت مع الاضطرار أم لم تكن . وثانيتهما : كل شيء يضطر إليه ... إلاّ أنها ليست كذلك كما ترى ، وبما أن الضرورة والاضطرار لا يصدق مع وجود المندوحة فلا محالة تختص التقيّة المشروعة بموارد عدم المندوحة .
وممّا يدلّنا على ذلك أيضاً ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن معمر بن يحيى قال : "قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إن معي بضائع للناس ونحن نمر بها على هؤلاء العشار فيحلفونا عليها فنحلف لهم ؟ فقال : وددت أني أقدر على أن اُجيز أموال المسلمين كلها وأحلف عليها ، كل ما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقيّة" [١] .
وبذلك كلّه نقيد الاطلاقات الواردة في بعض الأخبار كقوله (عليه السلام) "ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقيّة فأنتم منه في سعة" [٢] .
هذا ، على أنه يمكن أن يمنع عن دلالة المطلقات على عدم اعتبار عدم المندوحة من الابتداء ، وذلك لما قدّمناه من أن التقيّة من وقى يقي وقاية ، والوقاية بمعنى الصيانة عن الضرر ومنه المتقون ، لتحذرهم وصيانة أنفسهم من سخط الله سبحانه ، وعليه فقد اُخذ في مفهوم التقيّة خوف الضرر واحتماله ، ولا إشكال في أن المكلف مع وجود المندوحة لا يحتمل ضرراً في ترك شرب النبيذ أو في الاتيان بواجب ، لأن المفروض تمكنه من ذلك لوجود المندوحة العرضية أو الطولية ، ومع عدم خوفه وعدم احتماله الضرر في ترك شرب النبيذ كيف يكون ارتكابه تقيّة رافعة لحرمته ، وعليه فلا يصدق مفهوم التقيّة في موارد وجود المندوحة .
إذن لا إطلاق يقتضي مشروعية التقيّة عند وجود المندوحة حتى نحتاج إلى تقييده بما قدّمناه من الصحاح ، هذا كله فيما إذا كانت التقيّة من العامة في غير العبادات من
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] ،
[٢] الوسائل ٢٣ : ٢٢٧ / أبواب كتاب الايمان ب ١٢ ح ١٦ ، ٢ .