التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ١٢١
إذن لا إطلاق للصحيحة من حيث المقدار الذي لا بدّ من مسحه ، فلو كنّا نحن والصحيحة لاحتملنا أن يكون الواجب مسح تمام الربع المقدّم من الرأس أو تمام المؤخر مثلاً ، فان مسح ذلك بتمامه أو ببعضه مما لا يمكن استفادته من الصحيحة ، نعم إطلاق الآية المباركة في نفسها تام ولا مانع من الاستدلال به على التقريب المتقدم فلاحظ .
بقي الكلام في وجه استفادة التبعيض من الآية المباركة ، وأنه من جهة استعمال كلمة الباء في التبعيض أو لأجل تضمينها معنى "من" أو لأجل استعمالها في التبعيض مجازاً أو لغير ذلك من الوجوه ، ولكن تحقيق ذلك مما لا يترتب عليه ثمرة عملية ، لأن ما يهمنا إنما هو معرفة الأحكام الشرعية ، والصحيحة كما تقدم صريحة في الحكم ، وأن الواجب إنما هو مسح بعض الرأس ، وأما أنه من أية جهة فلا ثمرة في تحقيقه .
نعم ، أنكر سيبويه مجيء الباء بمعنى التبعيض [١] وعليه استند العلاّمة (قدس سره) في انكاره ذلك كما حكي [٢] ولكنه لا ينافي الصحيحة المتقدِّمة ، لأنّ دلالتها على وجوب مسح البعض يمكن أن تكون مستندة إلى مجيء الباء بمعنى التبعيض كما صرح النحاة بجوازه ـ عدى سيبويه ـ أو مستندة إلى التضمين أو المجاز ، وكيف كان لا إشكال في دلالة الصحيحة على ذلك .
ويمكن أن يقال : إنّ نظره (عليه السلام) في قوله : "لمكان الباء" إلى أن استفادة التبعيض من الآية المباركة إنما هي من جهة الاتيان بالباء وتغيير اسلوب الكلام لا أنها من جهة استعمال الباء في التبعيض . إذن فالباء يدلنا على التبعيض ، لا أنها مستعملة فيه ، وبيان ذلك : أن المسح والغسل ممّا يتعدّى إلى المفعول بنفسه من دون حاجة إلى الاستعانة بالباء ، فيصح أن يقال : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم كما في الآية المباركة وامسحوا رؤوسكم وأرجلكم ، من دون الاتيان بالباء ، فالاتيان بها مع عدم
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] كما حكى عنه في مصباح الفقيه (الطهارة) : ١٤٥ السطر ١٩ .
[٢] حكى عنه في مصباح الفقيه (الطهارة) : ١٤٥ السطر ١٩ ، لاحظ المنتهى ١ : ٤٠ ، ٤١ والمختلف ١ : ١٢٢ والتذكرة ١: ١٦٢ .