التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٢٠٩
ويندفع بأن الحديث لم يثبت إطلاق له ليدل على أن كل ما يصدر عن الصبي من الأفعال الاختيارية فهو بحكم الفعل الصادر خطأ ، بحيث لو قلنا بصحّة عبادات الصبي وتكلم في أثناء الصلاة أو أكل في صيامه متعمداً لم تبطل صلاته وصومه ، لأن التكلّم أو الأكل خطأ غير موجب لبطلانهما ، وهذا للقطع ببطلان الصلاة والصوم في مفروض المثال ، وعليه فالحديث مجمل للقطع بعدم إرادة الاطلاق منه . فلا مناص من حمله على ما ورد في رواية اُخرى من أن عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة [١] وهذا لا لقانون الاطلاق والتقييد لعدم التنافي بينهما ، بل للقطع بعدم إرادة الاطلاق منه ومقتضى الجمع العرفي حينئذ ما ذكرناه ، ومعه يختص الحديث بالديات ومدلوله أن القتل الصادر عن الصبي عمداً كالقتل خطأ تثبت فيه الدية على عاقلته ولا يقتص منه .
بل إن الحديث في نفسه ظاهر في الاختصاص بموارد الدية مع قطع النظر عن القرينة الخارجية ، وذلك لأن المفروض في الرواية ثبوت حكم للخطأ غير ما هو ثابت للعمد وأنه يترتب على عمد الصبي أيضاً ، وهذا إنما يكون في موارد الدية فلا حاجة إلى إقامة قرينة خارجية عليه . نعم إذا كان الوارد في الحديث : عمد الصبي كلا عمد احتجنا إلى قيام القرينة على ما ذكرناه من الخارج ، وعلى ذلك فلا مجال لما عن بعضهم من الحكم ببطلان عقد الصبي ومعاملاته ولو باذن من الولي ، نظراً إلى أن العقد الصادر منه خطأ لا يترتب أثر عليه ، وذلك لما ذكرناه من أن الحديث لم يثبت إطلاقه ليدل على أن كل عمل اختياري يصدر عن الصبي فهو بحكم الخطأ وإنما هو ناظر إلى الدية كما عرفت . وعلى الجملة لا دلالة للحديث على أن الاسلام الصادر عن الصبي بالاختيـار خطأ ، فهو مسلم حقيقة لاعترافه بكل ما يعتبر في الاسلام ويترتّب عليه ما كان يترتب على سائر المسلمين من الأحكام وأظهرها الطهارة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] رواها إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) أن عليّاً (عليه السلام) كان يقول عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة . الوسائل ٢٩ : ٤٠٠ / أبواب العاقلة ب ١١ ح ٣ ، وفي رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) إنه كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق والصبي الذي لم يبلغ ، عمدهما خطأ تحمله العاقلة وقد رفع عنهما القلم . الوسائل ٢٩ : ٩٠ / أبواب القصاص في النفس ب ٣٦ ح ٢ .