التنقيح في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٥٤
العلماء وقامت القرينة على الترخيص في ترك الاكرام لبعضهم ، فلا محالة يكون الاكرام بالنسبة إلى ذلك البعض مستحباً وبالنسبة إلى البقية محكوماً بالوجوب ، وفي المقام لما قامت القرينة على الترخيص في ترك المسح الذي هو قيد المأمور به كان الأمر بالاضافة إليه استحبابياً لا محالة . وأما بالنسبة إلى المأمور به وهو الغسل من الأعلى إلى الأسفل فهو أمر وجوبي ، لعدم قيام القرينة على الترخيص في تركه ، فعلى تقدير تمامية الرواية بحسب السند لا ترد عليها المناقشة بحسب الدلالة ، إذن فالعمدة هي المناقشة فيها بحسب السند .
الوجه الثالث ممّا استدل به للقول المشهور هو : الروايات البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منها : صحيحة زرارة قال : "حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فدعا بقدح من ماء فأخذ كفاً من ماء فأسدله على وجهه من أعلى الوجه ، ثم مسح وجهه من الجانبين جميعاً ، ثم أعاد يده اليسرى في الاناء ..." [١] .
وقوله "ثم مسح وجهه من الجانبين جميعاً" لعله بمعنى أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) استعان بيده اليسرى كما استعان باليمنى فأمرّهما معاً على جانبيه ، وقد ورد في بعض الأخبار أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يستعين بيده اليسرى في الوضوء[٢] وفي بعض تلك الروايات أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وضع المـاء على جبهته[٣] وهي كما ترى كالصريحة في أن الغسل لا بدّ أن يكون من أعلى الوجه إلى أسفله .
ولكن للمناقشة في دلالتها على اعتبار ذلك مجال واسع ، وذلك لأن أبا جعفر (عليه السلام) إنما حكى فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووضوءه ، وأنه كان يتوضأ بتلك الكيفية ، وليست فيها أية دلالة على أن تلك الكيفية كانت واجبة في
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] الوسائل ١ : ٣٩٠ / أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٦ .
[٢] كما فيما رواه بكير وزرارة ابنا أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) المروية في الوسائل ١ : ٣٩٢ / أبواب الوضوء ب ١٥ ح ١١ .
[٣] كما في صحيحة زرارة المروية في الوسائل ١ : ٣٨٧ / أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٢ .