مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٤٤ - القسم الثاني ما فيه دلالة على تحريم بعض الأشياء
أعظم من النّفع.
و أمّا ثانيا فلانّ الفعل إذا اشتمل على مفاسد كثيرة أكثر ممّا يتخيّل أنّه منفعة فإنّ الحكمة تقتضي تحريمه و إن قلنا بالحسن و القبح الشّرعيّين فقط و أنّ أفعاله تعالى ليست معلّلة بالأغراض و أنّه يجوز خلوّ الاحكام عن علل و مصالح لانّ ذلك لا يجوز عند ظهور المفاسد و لم يقل به من يقول بالشّرعيّين، و من ثمّ كان أصحاب القياس لا يجوّزون كون وصف صالح للعلّية غير علّة و لا يقولون بخلوّ الحكم عن علّة مهما أمكن و ان جاز الخلوّ و يحكمون بأنّ التعبد قليل بل ليس له وجود فتأمّل.
«و في مجمع البيان»: قال الحسن: في الآية دلالة على تحريم الخمر من وجهين: أحدهما قوله: و إثمهما أكبر فإنّه إذا زادت مضرّة الشيء على منفعته اقتضى العقل الامتناع منه و الثّاني انّه بيّن انّ فيهما الإثم و قد حرم في آية أخرى الإثم فقال:
«قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ الْإِثْمَ» هذا.
و اعلم انّ الظّاهر من الأخبار و هو المشهور بين أصحابنا انّ الخمر ما كانت محلّلة أصلا في الإسلام بل في سائر الأديان كانت حراما، و الّذي يظهر من الكشاف و البيضاوي أنّها كانت محلّلة في أوّل الإسلام ثمّ نزل تحريمها قال في الكشاف و نحوه قال في تفسير القاضي: روى انّها نزلت بمكّة «وَ مِنْ ثَمَرٰاتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنٰابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً» فكان المسلمون يشربونها و هي لهم حلال. و في استفادة التّحليل من هذه الآية نظر، بل الظّاهر خلافه و سيجيء الكلام فيها قريبا ان شاء اللّه تعالى.
ثمّ قالا: انّ عمر و معاذا و نفرا من الصّحابة قالوا: يا رسول اللّه أفتنا في الخمر فإنّها مذهبة للعقل و مسلبة للمال فنزلت «فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ» الآية، فشربها قوم و تركها آخرون.
و لا يخفى ما فيه فانّ قولهم: أفتنا. ان كان بعد فهم التحليل من الآية السّابقة فلا وجه للإفتاء بعده بل يجب عليهم متابعة قوله تعالى و ارادة التّحريم بالإفتاء بعد ثبوت التّحليل لا معنى له، و أيضا شرب قوم بعد نزول هذه الآية امّا لعدم فهمهم