مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٤٠
بين اللّه و رسوله و الأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل و اختيار الحقّ و الأمر بهما و النهي عن أضدادهما. و قال عند قوله تعالى «لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ» ما يدل على منع أبي حنيفة من قبول الدّعوة من حكام الجور و لو على أمر مشروع.
و ممّا ينبّه على فساد ذلك أنّ حكام الجور كثيرون فقد يختلفون فلا يعلم متابعة أيّهم تجب، و لانّه يجب على الرّعيّة منعهم إذا ارتكبوا منكرا و تركوا معروفا من باب الحسبة فكيف تجب إطاعتهم.
و لو قيل: انّما تجب إطاعتهم لو أمروا بالعدل و كانوا على الحقّ لا مطلقا لقلنا:
ظاهر انّه تعالى لا يأمر بإطاعة من يكون جائرا على غير الحقّ و ان كان ما يأمر به في مادّة خاصّة موافق للحق و العدل لعدم وقع من هذا حاله في النّفوس حتّى ينقاد إلى أمره و هو ممّا ينافي الحكمة من الأمر بالاتباع و لأنّه إذا كان المأمور به حقّا فلا خصوصيّة له بهم بل هو واجب في نفسه.
و الّذي رواه أصحابنا عن الباقر و الصّادق (عليهما السلام) انّ المراد بأولى الأمر هنا هم الأئمّة من آل محمّد (عليهم السلام) أوجب اللّه طاعتهم على الإطلاق كما أوجب طاعته و طاعة رسوله و هذا هو المناسب لحكمته تعالى فإنه لا يجوز أن يوجب طاعة أحد على الإطلاق الّا من ثبت عصمته و علم أنّ باطنه كظاهره و أمن منه الغلط و الأمر بالقبيح و ذلك لا يحصل في الأمراء و لا في العلماء سواهم (عليهم السلام) جلّ تعالى أن يأمر بطاعة من يعصيه.
و يدلّ على ذلك انّه تعالى لم يقرن طاعة اولى الأمر بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسوله بطاعته الا و أولوا الأمر فوق الخلق جميعا كما أنّ الرّسول فوق اولى الأمر و فوق سائر الخلق و هذه صفة أئمّة الهدى من آل محمّد (صلوات اللّه عليهم) الّذين ثبتت إمامتهم و أمانتهم و عصمتها و اتّفقت الأمّة على علوّ مرتبتهم.
«فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ» فان اختلفتم في شيء من أمور دينكم «فَرُدُّوهُ» اى المتنازع فيه «إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ» و المخاطب بهذا الخطاب هو المخاطب بالإطاعة أعنى الرّعيّة كما يقتضيه نظم الكلام و لعلّ عدم ذكر اولى الأمر هنا نظرا الى أنّ الرّدّ إليهم في الحقيقة