مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٢٥ - كتاب الجنايات (القصاص)
و لقد أحسن يحيى بن معاذ في هذا المعنى حيث قال: الوعد حقّ و الوعيد حقّ فالوعد حقّ العباد على اللّه تعالى ضمن لهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا و من أولى بالوفاء من اللّه، و الوعيد حقّه على العباد قال لا تفعلوا كذا فاعذّبكم ففعلوا فان شاء عفى و ان شاء أخذ لأنّه حقّه و أولاهما بربّنا العفو و الكرم انّه غفور رحيم.
و لا يلزم الكذب في اخباره بالخلود على تقدير العفو لأنّها مقيّدة بمشيّة الخلود أو عدم مشيّة العفو و هو ظاهر. هذا و الآية و ان خلت عن ذكر القصاص في قتل المؤمن عمدا إلّا أنّه مراد قطعا كما دلّ عليه ظاهرها و لعلّ الاكتفاء لمعلوميّته.
السادسة.
«وَ مٰا كٰانَ» و ما صحّ و ما جاز «لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً» بغير حقّ «إِلّٰا خَطَأً» قال في الكشاف: انتصاب خطا على انّه مفعول له اى ما ينبغي له أن يقتله لعلّة من العلل إلّا للخطاء وحده و يجوز أن يكون حالا بمعنى لا تفعله في حال من الأحوال إلّا في حال الخطاء، و أن يكون صفة للمصدر أي إلّا قتلا خطاء و المعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفى عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتّة إلّا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي الكافر فيصيب مسلما أو يرمي شخصا على انّه كافر فإذا هو مسلم.
و ظاهر هذا الكلام أنّ الاستثناء متّصل و لا يرد عليه ما قيل: انّ اتّصال الاستثناء هنا يؤدّى الى الاذن بقتله خطاء و كيف يأذن الشّارع فيه؟ لانّ المعنى على ما ذكره في الكشاف هو: أنه لا يثبت و لا يوجد و لا يتحقّق من المؤمن قتل المؤمن إلّا في حال الخطاء من غير قصد كان يرمى كافرا إلخ فإنّه حينئذ يتحقّق منه و يوجد و هذا لا يستلزم ما ذكره.
و ذهب الطّبرسيّ في مجمع البيان الى أنّ الاستثناء منقطع و الكلام تمّ عند قوله: أن يقتل مؤمنا ثمّ قال: لكن ان كان القتل خطأ فحكمه كذا قال: و انّما لم يحمل قوله: الّا خطاء على حقيقة الاستثناء لانّ ذلك يؤدّى الى الأمر بقتل الخطاء أو اباحته و لا يجوز واحد منهما. و فيه نظر يعلم ممّا قلناه.