مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٢٤ - كتاب الجنايات (القصاص)
و ما قيل انّها نزلت في مقيس بن صبابة وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النّجار و لم يظهر قاتله فأمرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سلّم أن يدفعوا اليه ديته فدفعوها اليه ثمّ حمل على مسلم فقتله و رجع الى مكّة مرتدّا. و امّا لانّ الخلود في جهنّم بمعنى المكث الطّويل لا طلاقه عليه في الكلام كثيرا.
و قد تعلّق بظاهرها أهل الوعيد و حكموا بأنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في النّار إذا لم يتب و في الدّلالة بعد للاحتمال الأوّل فلا يكون في العصاة. سلّمنا انّهم المراد لكن يرد الاحتمال الثّاني فيسقط التّمسّك بها.
و لو قيل: انّ ما ذكر تموه خلاف الظّاهر من الخلود و نحن انّما نستدلّ بالظّاهر لأمكن أن نقول: قد وافقتمونا على أنّ الآية مخصوصة بمن لا يتوب و أنّ التّائب خارج عن عمومها.
و ما روى عن ابن عبّاس من عدم قبول توبته محمول على سلوك سبيل التّغليظ و التّشديد في القتل كيف و قد روى عنه خلافه رواه الواحدي بإسناده إلى عطا، عن ابن عبّاس أنّ رجلا سأله لقاتل المؤمن توبة؟- قال: نعم فقيل له في ذلك فقال:
جائني ذلك و لم يكن قتل فقلت: لا توبة لك لكي لا يقتل و جائني هذا و قد قتل فقلت: لك توبة لكي لا يلقى نفسه إلى الهلكة.
و من قال من أصحابنا: انّ قاتل المؤمن لا يوفّق للتّوبة فلا ينافي ما قلناه لانّ هذا ان صحّ فإنّما يدلّ على انّه لا تختار له التّوبة و ان كانت بحيث لو حصلت لازالت العقاب و إذا كان لا بدّ من التّخصيص في الآية بالتّوبة جاز أن يخصّ أيضا بمن تفضّل اللّه عليه بالعفو كما دلّ عليه قوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ».
و لانّ الوعيد حقّه و لا قبح في تركه بل تركه كرما و فضلا لا تزال العرب تمدح فاعله و لا يعدّون مثله خلفا انّما الخلف أن يعد الخير ثمّ لا يفعله و قد ورد في الرواية عن الصّادقين (عليهم السلام) في ادعيتهم: «يا من إذا وعد وفى و إذا توعّد عفى».